الرئيسية » أحداث اليوم » يجب على لبنان أن يتحمّل مسؤولية سيادته
أحداث اليوم تقارير ودراسات رئيسى

يجب على لبنان أن يتحمّل مسؤولية سيادته

في خطوة وُصفت بأنها تاريخية للبنان، حظرت الحكومة، برئاسة رئيس الوزراء نواف سلام، هذا الأسبوع جميع الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله. وجاءت هذه الخطوة بعد يوم واحد من هجوم صاروخي على حيفا أدى إلى ردّ إسرائيلي واسع النطاق على لبنان.

وللمرة الأولى منذ اتفاق الطائف عام 1989، أعلنت السلطة التنفيذية بوضوح أن قرارات الحرب والسلم تعود حصراً إلى الدولة. ويتجاوز هذا القرار خطة نزع السلاح شمال نهر الليطاني التي أُقرت العام الماضي. فقد طالبت الحكومة الآن بوضوح حزب الله بأن يقتصر على النشاط السياسي، وأن يسلّم أسلحته ويتوقف عن جميع العمليات المسلحة من الأراضي اللبنانية. كما أُمرت قوات الجيش والأجهزة الأمنية بمنع أي عمليات إطلاق صواريخ أو طائرات مسيّرة، واعتقال المسؤولين عنها.

يمثل هذا بداية فصل جديد للبنان، وكان من الضروري أن تعترف الحكومة بذلك. غير أن الطريق أمامها مليء بالمخاطر. فقد جاء رد حزب الله كما كان متوقعاً. إذ انتقدت الجماعة المدعومة من إيران القرار ووصفتْه بأنه «دون كيشوتي»، واتهمت الحكومة بـ«العجز». إن تحدي حزب الله وسخريته واستمراره في إطلاق الصواريخ يعيد مرة أخرى جرّ لبنان إلى صراع لا ينبغي له أن يكون طرفاً فيه. وهنا تكمن القضية الحقيقية: هل يستطيع الجيش اللبناني أن يثبت خطأ الحزب وينفذ عملية نزع سلاحه؟

ورغم الأنشطة العسكرية غير القانونية للحزب، فإن موقف قائد الجيش رودولف هيكل، الذي حذّر من مواجهة بين الجيش وحزب الله، هو أن الجيش لا ينبغي أن يتدخل. ويمكن الافتراض أن هذا الموقف يحظى بغطاء سياسي في الوقت الراهن. لكن هذا الامتناع عن التحرك، الذي ينتقده معظم الطيف السياسي، قد يشجع حزب الله على الإفلات من العقاب، ويضعف سلطة الدولة، ويزيد من حدة الرد الإسرائيلي. وهذا يعرّض الشعب اللبناني، الذي أنهكه الغضب والتعب، لمزيد من الموت والفوضى.

يجب أن تدرك الحكومة اللبنانية أنه في هذه المرحلة من الصراع، وحتى مع هذا القرار، لا توجد أي وساطة من أي دولة في العالم قادرة على منع إسرائيل من الرد على هجمات حزب الله. وربما تكون الاستراتيجية هي ترك إسرائيل تواصل المهمة إلى أن لا يبقى الكثير لتفعله، ويصبح نزع السلاح ممكناً. لكن في نهاية المطاف، إذا كانت وحدة الجيش مهددة في حال تدخله، فهذا يعني أنه لن يتمكن من لعب دور استقرار حتى بعد زوال حزب الله. فماذا بعد ذلك؟

وقد أدان الرئيس اللبناني جوزيف عون ضربات حزب الله التي تقوض جهود بيروت لتجنب الانجرار إلى حرب إقليمية. لكن إذا لم يتحرك، فكيف سيمنع لبنان من أن يصبح، كما قال، «مرة أخرى منصة لحروب لا تعنيه»؟ هل ينتظر اللحظة المناسبة؟ وإلى متى؟ ومع حالة عدم الاستقرار الإقليمي، أليس هناك خطر أن تتدخل جماعات عابرة للحدود غير حكومية أخرى وتحاول القيام بالدور نفسه؟ وماذا بعد ذلك؟

ومع ذلك، يدرك الجميع أن هذه نهاية مرحلة. فللمرة الأولى، يتخلى عن حزب الله أيضاً بعض داعميه التاريخيين. فقد أعلن شخصيات مؤثرة في البقاع دعمها لقرار الحكومة الذي يصنّف الأنشطة العسكرية لحزب الله على أنها غير قانونية. وهذا ليس فقط نتيجة الغضب والتعب داخل المجتمع الشيعي، بل أيضاً قراءة للتحولات الجيوسياسية الكبرى. لقد انتهى حزب الله، سواء تدخل الجيش أم لا. ويجب التفكير في ما سيأتي بعد ذلك وكيفية إعادة الاستقرار إلى البلاد.

وفي هذا السياق، أود الإشارة إلى مقطع متداول على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر رجلاً لبنانياً يقود سيارته ليلاً في شمال البلاد بعد أن فرّ من الجنوب، وهو يشغّل أناشيد حزب الله بصوت مرتفع. فيصرخ أحد المارة قائلاً: «لماذا الصوت مرتفع هكذا؟ خفّضه. هل تفهم؟ لا تأتي إلى منطقتنا وتستفزنا». هذا المقطع القصير يخبرنا الكثير عن الوضع في لبنان، حيث يوجد قدر كبير من الاستياء وحتى الكراهية تجاه حزب الله بسبب عقود من الدمار والترهيب والقتل، وهي مشاعر يمكن التعبير عنها أخيراً الآن بعد أن ضعف الحزب. لكن عبارة «منطقتنا» تعني أيضاً أن لبنان سيظل قائماً على منطق المناطق والعصبيات.

إن عقود الإحباط والخوف هذه تقترب من نهايتها. ومع ذلك، كما يظهر هذا المقطع القصير، فإن لبنان سيبقى مجزأً في ظل النظام السياسي الحالي ومؤسساته. لذلك من المهم أن يُسلَّح البلد ليس فقط بجيش قوي وموحد مخلص للعلم، بل أيضاً بنظام سياسي يجسد طبيعة البلاد وشعبها.

ولهذا السبب، فإن الدمار والضحايا الذين قد يستمر لبنان في تكبدهم بسبب أفعال حزب الله يجب ألا يمروا بلا عقاب. يجب أن يُقدَّم قادة الحزب إلى العدالة، خاصة وأن هذه الأفعال أصبحت الآن تُعتبر غير قانونية من قبل الدولة اللبنانية. فلا فرق بين الجناح السياسي والعسكري؛ إنه كيان واحد يجب أن يختفي من مستقبل لبنان. إن «دون كيشوت» الحقيقي هو حزب الله، وقد انتهى زمنه.

تحتاج الحكومة اللبنانية بشكل عاجل إلى تحديد أي مسار سيجلب الاستقرار. وحتى الآن، كان جوابها هو ترك إسرائيل تحاول إنهاء المهمة. لكنها يجب أن تدرك أيضاً كلفة البقاء في موقع المتفرج. فلا شك أن عليها أن تتحمل مسؤولية سيادتها بنفسها قبل أن تصبح عواقب التقاعس غير قابلة للإصلاح.

تم الاستعانة  بأجزاء من هذا المقال بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي

الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى