الرئيسية » أحداث اليوم » لبنان بين نارين: الحقيقة التي يرفض البعض قولها
أحداث اليوم الرأي تقارير ودراسات رئيسى

لبنان بين نارين: الحقيقة التي يرفض البعض قولها

التصعيد العسكري في لبنان يتسبب في نزوح مدني جماعي غير مسبوق. فوفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فرّ أكثر من 100 ألف شخص من منازلهم خلال يوم واحد فقط، ليرتفع العدد الإجمالي للنازحين إلى نحو 700 ألف منذ تكثيف الضربات الإسرائيلية عقب هجمات حزب الله. وقد وضع هذا الوضع البلاد في كارثة إنسانية جديدة مروّعة، وكأننا نواصل إيجاد طرق لتفاقم المأساة. وبينما أدانت الحكومة اللبنانية، للمرة الأولى، أفعال حزب الله، يظل من اللافت دائماً ملاحظة كيف أن فئة معينة من المثقفين وقادة الرأي—غالباً أولئك المرتبطين بمراكز نفوذ دولية مثل وسائل الإعلام الكبرى والمنظمات الخيرية—يُبرزون بحق خطورة هذه المأساة، لكنهم في كثير من الأحيان يقصرون في الاعتراف بالدور الذي لعبه حزب الله في التسبب بها.

تندرج الأزمة الحالية ضمن التصعيد الإقليمي الأوسع الذي أعقب الهجوم الذي شنّته إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في 28 فبراير. حزب الله الضعيف يحاول بصعوبة كبيرة لعب الدور الذي صممه له النظام في طهران، لكنه يجعل لبنان بأكمله يدفع الثمن دماً. وما يدهشني هو أنه عندما نناقش هذه النقطة مع أي من هؤلاء المثقفين أو ما يمكن تسميتهم بـ«المفكرين المتعالين أخلاقياً»، فإنهم يقاطعونك سريعاً، مؤكدين أنه لا ينبغي التركيز إلا على الوضع الإنساني الراهن. ويضيفون أن الوقت ليس لتوجيه الاتهامات، بل لإظهار التضامن والشفقة. وهذه بالضبط هي الرواية التي تخدم حزب الله؛ إذ إنهم بهذا يمنحونه عملياً صك براءة ويعفونه من أي مسؤولية. هذا الانبهار أو الوقوع تحت سحر حزب الله أمر يثير حيرتي.

لقد قُتل 570 لبنانياً في الضربات الإسرائيلية. أليس من المشروع التساؤل عمّا إذا كان هذا سيحدث لو لم يهاجم حزب الله إسرائيل؟ أليس من المشروع تحميل أفعال حزب الله مسؤولية هذا الرد؟ أليس الوقت قد حان لمساءلة حزب الله عن انتهاكه للقانون؟ ألا يستطيع هؤلاء المثقفون التعبير عن التضامن مع اللبنانيين المتضررين وعائلاتهم، وفي الوقت نفسه استخدام منصاتهم للدعوة إلى إنهاء أداة الدمار هذه؟

الحقيقة أنهم لم يدينوا حزب الله قط. فهم لا يقولون إن أفعال حزب الله غير الضرورية أوجدت الرد الإسرائيلي المتوقع، وبالتالي الأزمة الإنسانية. وهذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك؛ فقد صدرت تحذيرات سابقة، ومع ذلك يُلقى بلبنان مرة أخرى في الهاوية. كنت أتوقع أن يتغير موقفهم هذه المرة، خصوصاً بعدما اتخذت الحكومة اللبنانية موقفاً واضحاً ضد أفعال حزب الله. لكن ذلك لم يحدث.

خطابهم اليوم يتقاطع أو ينسجم مع مواقف بعض مراكز الفكر اليسارية في أوروبا التي تصف الهجوم الإسرائيلي والأميركي بأنه غير قانوني وفقاً للقانون الدولي. ومع ذلك، فإنهم يفشلون في إدانة هجمات إيران على دول الخليج. ومن المفيد تذكيرهم بأن دول الخليج لم تشارك في تلك العمليات بل رفضت حتى السماح باستخدام أراضيها لأي هجوم. ومع ذلك اختارت إيران استهدافها. بل إن هذه الدول اتخذت موقفاً دفاعياً عسكرياً ولم تهاجم إيران. ومع ذلك، لا يبدو أن ذلك كافياً لهؤلاء. وكما يجد لبنان نفسه عالقاً بين حزب الله وإسرائيل، يتجنب هؤلاء المفكرون المتعالون أخلاقياً الأسئلة الصعبة والمواقف الصحيحة. لقد التزموا الصمت أثناء الثورة السورية، ولم يذكروا ولو مرة واحدة الاحتجاجات في إيران.

الأمر سهل للغاية. فنحن جميعاً نشعر بالعجز والانكسار عندما نرى الأطفال يعانون. ونجد جميعاً صعوبة في مشاهدة الصور المتكررة للتهجير القسري والموت والجوع. لكن ما يفعله هؤلاء المثقفون هو احتكار التعاطف. ومن خلال صمتهم تجاه أفعال حزب الله، فإنهم لا يجعلون القصة عن الضحايا الحقيقيين، بل عن أنفسهم. إنها قصة عن تعاطفهم هم وأجندتهم الخاصة، وليس عن الكارثة التي يعيشها الشعب اللبناني. إنهم يخفون افتقارهم إلى الشجاعة خلف حياة اللبنانيين المحطمة، ويستخدمون ذلك لخدمة مصالح مجموعاتهم السياسية. ومن دون مبالغة كبيرة، فإن هذه الطريقة تذكّر بالأساليب التي استخدمتها الستالينية لإسكات معارضيها.

لقد حان الوقت لكسر هذه الحلقة. فلا أحد اليوم يستطيع أو ينبغي له أن يعطي لبنان دروساً، لأن هذا البلد دفع واحداً من أثقل الأثمان في المنطقة. ولهذا السبب ينبغي الوقوف إلى جانب الموقف الأخير للرئيس اللبناني جوزيف عون وخطته للتفاوض مع إسرائيل. فقد اتهم حزب الله صراحة بدفع لبنان نحو انهيار الدولة. وقال إن الهجوم خدم مصالح إيران وهدد بجرّ لبنان إلى الفوضى. لقد حان الوقت لإنهاء الصراع والسماح للبنان بالخروج من دائرة الدمار. وقد اقترح خطة من أربع نقاط تشمل وقفاً كاملاً لإطلاق النار مع إسرائيل، ودعماً دولياً للجيش اللبناني لنزع سلاح حزب الله، ومفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل تحت إشراف دولي. ولا شك أن أصعب نقطة هي مسألة نزع سلاح حزب الله، التي تحققت حتى الآن في معظمها بفعل إسرائيل.

إلى جانب ذلك، لا بد من إطلاق حوار علاجي مع المجتمع الشيعي. وإذا لم تنخرط المراكز الفكرية الرئيسية في البلاد في تبنّي رواية مختلفة، فلن يحدث هذا الحوار أبداً. وسيستمر الخطاب في نقل صورة الظالم والمظلوم بدلاً من صورة المواطنين. لا يمكن بناء أي شيء بهذه العقلية، ولا حتى دولة جديدة. يجب كسر هذه الرواية، ولن يحدث ذلك إلا إذا انتهى حزب الله. لقد حان الوقت للمثقفين اللبنانيين المتعالين أخلاقياً أن يعترفوا بالحقيقة: إن المصدر الوحيد للاضطهاد في هذه الأزمة يأتي من النظام في طهران ووكيله حزب الله.

تم الاستعانة  بأجزاء من هذا المقال بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي

الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى