الرئيسية » أرشيف » المال السياسي يحدد رئيس مصر القادم
أرشيف

المال السياسي يحدد رئيس مصر القادم

تقدر إحصاءات غير رسمية في مصر إجمالي ما تم إنفاقه على الحملات الانتخابية خلال الأسابيع القليلة الماضية بنحو 240 مليون جنيه، في حين يذهب كثير من خبراء الاقتصاد إلى أن مثل هذه التقديرات لا تخرج عن كونها "تقديرات نظرية"، إذ يرى هؤلاء أن ما تم إنفاقه في الحملات الأربع الكبرى قد يتجاوز مبلغ المليار جنيه، إذا ما وضع في الاعتبار تخصيص عدد قليل من الحملات لرواتب شهرية للمتطوعين في العمل بها، واعتمادها على وكالات إعلانية متخصصة.

ربما يكون الرقم صادما، ليس فحسب مقارنة بالحد الأقصى للدعاية، الذي حددته في وقت سابق اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات الرئاسية، وإنما بقدرات المرشحين المادية، وهو ما يشير بحسب خبراء إلى روافد متعددة وقفت أمام المال السياسي الذي ظهر بوضوح خلال الأسابيع الأخيرة في مصر، بعضها محلي ممثلا في دعم عشرات من رجال المال والأعمال لعدد قليل جدا من المرشحين، وبعضها قادم عبر الحدود، وهو ما تمثل في العديد من الاتهامات التي وجهت لعدد من المرشحين، تدور حول تلقيهم أموالا طائلة من دول وتنظيمات، لحسم السباق الرئاسي من جولته الأولى.

يقدر الدكتور حمدي عبدالعظيم الخبير الاقتصادي البارز، والعميد السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية جملة ما تم إنفاقه خلال الفترة الماضية من عمر السباق الرئاسي بنحو مليار جنيه، ويقول: إن هذا الرقم ربما يكون هو الحد الأدنى الذي يمكن تقديره في ظل شواهد الإنفاق الكبير، وكلفة الإعلانات بل والرشاوى الانتخابية، التي لجأت إليها العديد من الحملات الانتخابية، بداية من فترة جمع التوكيلات، وليس انتهاء بنفقات إعاشة المندوبين، الذين سيتم اختيارهم داخل اللجان الانتخابية على مستوى الجمهورية.

ويدلل عبدالعظيم على تقديراته بأن تكاليف الحملات الانتخابية لا يجب حسابها فقط من وقت بدء الموعد الرسمي للسباق الانتخابي، فهناك العديد من الحملات التي بدأت عملها منذ نحو عام، تحت لافتة "مرشح محتمل"، إلى جانب حساب كلفة التوكيلات الانتخابية بعدما تردد حولها من أنباء حول دور كبير لعبه المال السياسي في إنجازها، وإنفاق بعض المرشحين لملايين الجنيهات من أجل الحصول على هذه التوكيلات.

ربما تكفي إعلانات "الأوت دور" المنتشرة فوق العديد من جسور القاهرة الكبرى، ومختلف الميادين في المحافظات المصرية، بل وعلى العديد من الطرق الصحراوية، للدلالة على حجم الإنفاق المالي لحملات انتخابات الرئاسة المصرية، وهو رقم حسبما يرى الدكتور عبدالمطلب عبدالحميد رئيس قسم الاقتصاد بأكاديمية السادات للعلوم الإدارية، لا يكشف فحسب عن الكلفة المالية الباهظة التي تقف وراء هذه الحملات، وإنما يكشف كذلك عن حقيقة الرعاة الممولين للمرشحين، ومن بينهم رجال أعمال كبار كثيرون منهم من المحسوبين على النظام السابق، أو من المستفيدين من بقائه، رغم الإطاحة بالرئيس، ويضيف عبدالمطلب: كثير من إعلانات الطرق تم دعمها من قبل شركات كبرى، لم تخجل من التوقيع باسمها على هذه الإعلانات، مثلما لم يخجل أصحابها من علاقاتهم الوثيقة بالنظام السابق، وهو ما يكشف عن رغبات حقيقية لا تخفى على أحد، تؤكد سعي هؤلاء لدعم وجودهم في النظام الجديد، بمشاركتهم في الانتخابات على نحو غير مباشر من خلال التمويل المالي لحملات بعينها.

الملايين الطائرة التي تشهدها الانتخابات المصرية تبدو بوضوح شديد في حملات بعينها، فيما تغيب عن حملات أخرى، يحلو للمصريين أن يطلقوا عليها اسم "حملات العصاميين"، حيث تظهر بوضوح في تلك القائمة حملات المستشار هشام البسطويسي، ومحمد سليم العوا، وخالد علي وحمدين صباحي، في حين يتجلى المال السياسي بوضوح لا تخطئه عين في حملات أخرى وإن اتخذ أشكالاً متعددة، بدءا من الفخامة الواضحة في الدعاية، حسبما هو الحال مع حملة الفريق أحمد شفيق، وحملة عمرو موسى، وعبدالمنعم أبو الفتوح، إلى جانب الكثافة الشديدة للدعاية الانتخابية لمرشح حزب الحرية والعدالة الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد مرسي.

في نظر كثير من الخبراء، فقد شهدت مصر عمليات إنفاق ضخمة، تم تمويلها من الخارج بطرق لا يمكن ضبطها، فيما ظل الإنفاق الداخلي مقصورا في تمويله على جماعات مصالح ذات توجهات سياسية، ومن خلال رجال أعمال داعمين للنظام السابق، ويعملون من أجل استمراره، أو آخرين لا يخفون دعمهم لجماعات الإسلام السياسي.

يقدر أحد العاملين في وكالة متخصصة للإعلانات جملة الأعمال التي قامت بها الوكالة التي يعمل بها لأحد المرشحين الرئاسيين الكبار، رفض ذكره اسمه، بنحو عشرة ملايين جنيه، وهو يقول: ربما يكون المبلغ أكبر بكثير، قياسا على ما تم استخدامه من دعايات "الأوت دور" المعلقة فوق الجسور في القاهرة وحدها، إذ تتراوح قيمة الإعلان الواحد ما بين مئة ألف إلى مئتي ألف جنيه في الشهر، فيما تصل القيمة إلى نحو 200 ألف جنيه إذا كانت الدعاية على الوجهين.