قال باحث أميركي ومسؤول سابق في إدارة أوباما إن واشنطن تستطيع أن تتخذ العديد من الخطوات الملموسة لإطالة الزمن أمام إسرائيل واستنفاد طريق الدبلوماسية والعقوبات قبل اللجوء إلى استخدام القوة.
وقال دينيس روس المستشار في معهد واشنطن والمساعد الخاص للرئيس أوباما لشؤون الشرق الأوسط إن مسؤولي إدارة أوباما أوضحوا أنهم يعتقدون أنه لا يزال هناك وقت ومساحة لنجاح الجهود الدبلوماسية في وقف إيران من الوصول إلى قدرات تصنيع الأسلحة النووية، لكن نائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني أيلون قال إن الوقت قد حان للإعلان عن أن "الدبلوماسية قد فشلت".
وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يصرح بعد بفشل الدبلوماسية، إلا أنه كان قد تحدث عن عجزها في تغيير مسار البرنامج النووي الإيراني.
وبالإضافة إلى ذلك فقد أخبر مجلس وزرائه أن التهديد النووي الآتي من إيران يفوق في حجمه جميع التهديدات الأخرى التي تواجهها إسرائيل، وأضاف على نحو قاطع قائلاً: "لا يمكن السماح لإيران بالحصول على أسلحة نووية".
وتؤشر كلمات القادة الإسرائيليين ليس فقط إلى نفاد الصبر المتزايد من وتيرة الدبلوماسية، وإنما أيضاً إلى جاهزية إسرائيل المتنامية للتصرف عسكرياً من جانب أحادي ضد المنشآت النووية الإيرانية.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تشاطر إسرائيل نفس الهدف وهو منع إيران من اكتساب قدرة نووية إلا أن الاثنين يختلفان حول النقطة التي يصبح عندها من الضروري اللجوء إلى الحسم العسكري لإحباط التقدم النووي الإيراني. وأقول "إحباط" لأنه لا يمكن لأميركا أو إسرائيل تدمير قدرة إيران على صنع سلاح نووي بصورة تامة. فكل بلد يمكنه أن يعيق إيران من الناحية العسكرية، لكن لا يمكن لأي منهما تدمير قدرة إيران أو مهارتها الفنية التي تمكنها من تطوير أسلحة نووية. ومنذ العام 2007 عندما استطاعت إيران إنجاز دورة الوقود النووي الكاملة والحصول على وسائل تخصيب اليورانيوم بمفردها، فقد فات الأوان كثيراً للقيام بعمل كهذا.
إن اختلافهما حول التوقيت الأنسب للعمل العسكري هو أمر يتعلق بقدرتيهما والمنظور الذي يرى كل منهما به الأمر، فلدى الولايات المتحدة قدرة عسكرية هائلة أكثر من إسرائيل وبالتالي هي تشعر أن باستطاعتها الصبر مدة أطول بكثير مما تستطيعه إسرائيل قبل
اللجوء إلى القوة.
أما إسرائيل فهي أقل صبراً حيث قال وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك إن إيران تقترب بسرعة من اللحظة التي يكون فيها عمق ونطاق وقوة منشآتها النووية المتعددة قد وصلوا جميعاً إلى "منطقة الحصانة"، وحينئذ ستفقد الضربة العسكرية الإسرائيلية فعاليتها. ويؤمن السيد باراك بأن إسرائيل يجب أن تفعل بسرعة قبل "الاقتراب" من تلك اللحظة.
لكن الأمر بالنسبة للولايات المتحدة لا يتعلق بالقدرة العسكرية فحسب، بل أيضاً بامتلاكها استراتيجية للمرحلة ما بعد شن أي هجوم على إيران. ويعود سبب ذلك إلى أن أية ضربة على إيران لا تستطيع تدمير قدرتها النووية، ولذا فإن العمل العسكري يجب أن يُرى كوسيلة وليس غاية. كما يجب توظيف الضربة بطريقة من شأنها أن تساهم في هدف إعاقة البرنامج النووي الإيراني لكي تصبح إيران أقل قدرة واستعداداً لإعادة تأسيسه.
وعلى الأقل فإن ذلك سوف يتطلب إبقاء إيران معزولة وتحت عقوبات اقتصادية شديدة بعد أن تكون منشآتها النووية قد هوجمت.
وبالتأكيد تدرك إسرائيل أهمية أن تكون لديها استراتيجية لما بعد الهجوم تستطيع بموجبها أن تُبقي إيران معزولة. لكن ربما يجد الزعماء الإسرائيليون أنه من الصعب التخلي عن الخيار العسكري في الوقت الذي ل ا يزالون يواجهون ما يعتبرونه تهديداً لوجودهم، لذا يميلون إلى الاعتقاد أن سلوك طهران سوف يثمر عن موقف دولي موحد ضد إيران حتى بعد توجيه ضربة عسكرية.
ووفقاً لكلمات أحد كبار المسؤولين الإسرائيليين: "ربما يتعرض نظام العقوبات إلى الضرر لبعض الوقت لكنه سرعان ما سيتعافى – مثله مثل الضغوط الدبلوماسية على إيران والمعركة الاستخباراتية ضد إيران. ويعود ذلك لأن المصالح الأساسية للمجتمع الدولي بشأن إيران لن تتغير".
إلا أن منظور إدارة أوباما يختلف عن ذلك. فمن وجهة نظرها أن عزل إيران لم يحدث من تلقاء نفسه بل استلزم جهداً كبيراً لإقناع وحشد المجتمع الدولي لفرض عقوبات تعجيزية.
وبالنسبة للولايات المتحدة هناك أهمية لهذا السياق، حيث تفكر أميركا في تشكيل بيئة دولية، بحيث إذا أصبح معها استخدام القوة ضرورياً فيمكن عندئذ تبريره، لأنه قد تم استنفاد الدبلوماسية بشكل واضح؛ وسوف تبدو إيران – التي ترفض بصورة عنيدة تغيير برنامجها النووي – وكأنها جلبت الحرب أساساً على نفسها. كما أن مواصلة عزل إيران في حال توجيه ضربة عسكرية سوف تتطلب حرمانها من القدرة على تصوير نفسها بأنها الضحية.
وبعبارة أخرى، فقبل توجيه ضربة عسكرية، من الضروري إثبات أن إيران لم تكن مستعدة لقبول قدرة نووية سلمية مع ذلك النوع من القيود التي من شأنها أن تمنعها من أن تكون قادرة على إنتاج أسلحة نووية في وقت قصير.
ولن يختلف القادة الإسرائيليون في جدوى إظهار أن الدبلوماسية – واستخدام العقوبات التعجيزية – قد فشلا في تغيير سلوك إيران. لكن من الواضح أن الإسرائيليين يخشون من أن ينفد الوقت أمامهم وأن إسرائيل – حسب كلمات أحد كبار مسؤوليها – "لن تكون فاعلاً في تلك المرحلة".
إن الأسئلة الرئيسية لصناع السياسة في واشنطن اليوم هي ما إذا كان هناك سبيل لإطالة الزمن من وجهة النظر الإسرائيلية، وما إذا كان بالإمكان ضبط الساعتين الأميركية والإسرائيلية ليتزامنا معاً حتى يكون باستطاعة الولايات المتحدة حينئذ استنفاد الدبلوماسية والعقوبات قبل اللجوء إلى القوة. وثمة أربع خطوات يمكن أن تتخذها الولايات المتحدة لكي تجعل ذلك ممكناً.
أولاً: يجب أن تضع الولايات المتحدة مقترح الحل الأخير على الطاولة الذي يسمح لإيران بأن تكون لديها طاقة نووية لكن بقيود تمنعها من أن تحقق قفزة نووية. والمقصود بهذه القفزة هو القدرة على تسليح برنامجها النووي بسرعة وحسب الوقت الذي تختاره طهران. إن تقديم مثل هذا الاقتراح من شأنه أن يوضح ما إذا كان الاتفاق الحقيقي ممكناً، كما أنه سينقل لإسرائيل رسالة مفادها أن النهج الأميركي تجاه المفاوضات لم يكن متروكاً إلى أجل غير محدد.
ثانياً: ينبغي على واشنطن أن تبدأ نقاشات مع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي وألمانيا "المعروفة بالدول الخمس دائمة العضوية +1) حول استراتيجية "اليوم التالي" في حال فشل الدبلوماسية واستخدام القوة. ومن شأن ذلك أن يشير إلى كل من إسرائيل وإيران على أن الولايات المتحدة تعني ما تقوله بأن جميع الخيارات مطروحة على الطاولة.
ثالثاً: ينبغي على كبار المسؤولين الأميركيين أن يسألوا القادة الإسرائيليين عما إذا كانت هناك قدرات عسكرية يمكن أن تزودهم بها الولايات المتحدة – مثل القنابل الخارقة للتحصينات وحاويات لإعادة تزويد الطائرات بالوقود ومعلومات عن الأهداف – بحيث تستطيع أن تطيل الوقت أمامهم.
وأخيراً، ينبغي أن يسأل البيت الأبيض السيد نتنياهو عن نوع الدعم الذي سيحتاج إليه من الولايات المتحدة إذا اختار اللجوء إلى القوة. على سبيل المثال إعادة إمدادات الأسلحة والذخائر وقطع الغيار والدعم العسكري والدبلوماسي والمساعدة فيما يتعلق بحالات الطوارئ غير المتوقعة. ينبغي أن تكون الولايات المتحدة مستعدة الآن لتبني التزامات صارمة في جميع هذه المجالات مقابل موافقة إسرائيل على تأجيل أي هجوم حتى العام المقبل – وهو التأجيل الذي يمكن استخدامه لاستنفاد الخيارات الدبلوماسية وتمهيد الطريق للقيام بعمل عسكري إذا ما فشلت الدبلوماسية.
وعلى الرغم من أن البعض قد يجادل بأن تلك التصرفات سوف تجعل الضربة العسكرية أكثر احتمالاً في العام المقبل إلا أنه يكاد يكون من المؤكد أن هناك حاجة إليها الآن، من أجل إعطاء قادة إسرائيل سبباً للانتظار.
دينيس روس هو مستشار في معهد واشنطن ومساعد خاص سابق للرئيس أوباما لشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا.









اضف تعليق