لم تعد العواصم الغربية، وفي مقدمتها واشنطن، تتعامل مع المشهد الإيراني انطلاقاً من افتراض وجود مسار سياسي يمكن أن يقود إلى اختراق أو تسوية كبرى. التقدير السائد اليوم أكثر صراحة: لا توجد أوهام بشأن النتائج، ولا رهانات فعلية على تغيير سلوك النظام عبر أي قنوات تقليدية. السيناريو الرئيسي الذي يُبنى عليه التفكير الاستراتيجي بات مرتبطاً بما يجري داخل بنية السلطة الإيرانية نفسها.
جوهر هذا السيناريو هو الصراع الصامت بين حرس قديم متمسك بمنطق الثورة والمواجهة، وجيل جديد داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك المؤسسة العسكرية والأمنية، ينظر إلى مستقبل إيران من زاوية مختلفة تماماً. الحرس القديم، الذي راكم السلطة والشرعية منذ 1979، يرى في أي انفتاح أو إعادة تموضع استراتيجي تهديداً مباشراً لوجوده ونفوذه. هذا الجيل لا يفكر بلغة الكلفة الاقتصادية أو العزلة الدولية، بل بمنطق البقاء والسيطرة الداخلية.
في المقابل، يبرز جيل أصغر داخل الدولة الإيرانية، نشأ في ظل العقوبات لا الثورة، وتكوّن وعيه السياسي في عالم مختلف. هذا الجيل، وفق تقديرات استخباراتية غربية، أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية، ويدرك أن استمرار النهج الحالي يقود إلى طريق مسدود، سواء اقتصادياً أو استراتيجياً. لا يعني ذلك أنه يحمل مشروعاً إصلاحياً معلناً، بل أنه ينظر إلى موازين القوى بلغة مختلفة، أقل اندفاعاً وأكثر حساباً.
السيناريو المرجّح لا يفترض انقلاباً كلاسيكياً ولا مواجهة مباشرة بين الجانبين، بل عملية تآكل تدريجي لنفوذ الحرس القديم مقابل صعود بطيء للجيل الجديد داخل مفاصل القرار. هذا التحول، إن حصل، سيكون من داخل النظام لا خارجه، وبآليات غير مرئية للرأي العام. إعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسات، لا تغيير النظام، هو جوهر هذا المسار.
الولايات المتحدة تراقب هذا التحول المحتمل من دون إعلان الرهان عليه. لكنها، في الوقت نفسه، بنت سياساتها على قناعة واضحة: النظام بصيغته الحالية غير قادر على تعديل سلوكه جذرياً، والحرس القديم غير مستعد للتراجع طوعاً. لذلك، فإن الضغط الخارجي يُستخدم أساساً لتسريع التناقضات الداخلية، لا لإنتاج صفقة شاملة.
في هذا الإطار، تُفهم سياسة الردع الأميركية ليس باعتبارها مقدمة لحرب، بل كأداة لإبقاء الخيارات مفتوحة ومنع الحرس القديم من فرض وقائع لا يمكن التراجع عنها. الرسالة الضمنية أن استمرار المسار الحالي سيجعل كلفة التمسك بالسلطة أعلى من كلفة إعادة التوازن داخل النظام نفسه.
النتيجة المتوقعة هي مرحلة طويلة من التوتر المنخفض الحدة، لكنها عالية الخطورة. لا انفجار وشيك، ولا استقرار حقيقي. بل صراع إرادات داخل الدولة الإيرانية بين من يريد تجميد الزمن عند لحظة الثورة، ومن يدرك أن الزمن تجاوز تلك اللحظة. هذا الصراع، وليس أي مسار خارجي، هو العامل الحاسم في رسم مستقبل إيران.
الخلاصة أن إيران لا تقف أمام مفاوضات ناجحة أو فاشلة، بل أمام سؤال وجودي يتعلق بشكل السلطة نفسها. ومع تآكل قدرة الحرس القديم على إدارة التحديات المتراكمة، يصبح صعود جيل جديد داخل الدولة احتمالاً واقعياً، لا بوصفه تغييراً دراماتيكياً، بل كتعديل تدريجي لمسار بات غير قابل للاستمرا
الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى
تم الاستعانة بأجزاء من هذا المقال بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي









اضف تعليق