لعنة شبهات الفساد المتزايدة تلاحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ,إذ يشكل إعلان النائب العام ، أفيخاي مندلبليت، لطاقم الدفاع عن نتنياهو، بأنه قد يحسم القرار في ملفات فساده قبيل الانتخابات المرتقبة لحظة سياسة مواتية لخصومه للانقضاض عليه تضع مستقبله على المحك ,ومع ذلك تدور تكهنات حول نجاح نتنياهو فى تجاوز المأزق عبر الترويج لما يراه إنجازات تحققت في عهده مراهناً بالوقت ذاته على أن الشعب قد يغفر زلاته على صعيد المخالفات المالية مقابل تجاوز المخاطر الأمنية .
رسالة النائب العام الإسرائيلي تؤشر إلى أنه رفض طلب محامي نتنياهو، بشأن تأجيل القرار الحاسم في ملفات فساده، إلى ما بعد الانتخابات، خوفًا من تأثير القرار على الناخبين الإسرائيليين في موعد الانتخابات المقرر.لكنها بذات الوقت قد تطيح بأحلام نتنياهو السياسية و الذي يرغب هذه الأيام في الترويج لأنشطته في المجال الدبلوماسي، والسياسي، والتطبيع مع دول عدة، بهدف إقناع الأوساط الانتخابية أن مصلحة إسرائيل مرتبطة باستمراره بعيدًا عن أي ملفات فساد. فضلا عن أن فوزه قد يعفيه بشكل كبير من تقديم لوائح اتهامات ضده أو محاكمته.
اللعب على وتر المخاوف الإسرائيلية من التهديدات الخارجية المصيرية تعد أقوى أدوات رئيس الوزراء لتجنب عاصفة الاتهامات وقد نجح نتنياهو إلى نحو بعيد في تقديم نفسه بأنه الأذكى والأقوى لمنع تلك المخاطر,حين استفاد من التعقيدات بالمشهد الإقليمي والدولي وانتزع اعترافاً من الرئيس الأميركي بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل روج له “كانتصار قومي”،كما تمكن من إثبات نفسه كرجل الأمن والدبلوماسية أمام الرأي العام من خلال التقارب مع العديد من الدول العربية والإسلامية وبعض بلدان أميركا اللاتينية وآسيا بما فيها الهند, لذا يبدو الطقس مهيأ لتجاوز رئيس الوزراء الأزمة الراهنة لاسيما مع حالة التشظى التى تسيطر على المشهد الحزبي فى إسرائيل وغياب شخصيات سياسية مقنعة وقادرة على المنافسة .ولعل ما يؤشر على صحة ذلك استمراره كرئيس وزراء لفترة تعد هي الأطول ، متفوقاً على زعماء مؤسسين وجنرالات خاضوا حروبا من اجل بقاء إسرائيل على غرار ديفد بن غوريون ومناحيم بيغن ورابين وشارون وشمعون بيريس. ومنذ عام 2009 وحتى عام 2019، شهدت إسرائيل 3 انتخابات برلمانية فاز فى جميعها بنيامين نتنياهو، ليصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي الوحيد الذى يفوز بهذا المنصب 4 مرات فى عام 1996 وعام 2009 وعام 2013 وعام 2015 حتى الآن.
مناورات نتنياهو والذى يستند إلى شبكة علاقات محلية وعالمية، خاصة في أوساط أقصى اليمين الأميركي والحاخامات الإسرائيليين لتخطى تهم الفساد وتأخير الإعلان عن القرار إلى بعد الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة تعتمد على استراتيجية هجومية قد تطال أجهزة التحقيق ذاتها حيث من المتوقع أن يختلق حزب الليكود الذي يرأسه اتهامات للنائب العام الإسرائيلي بسعيه إلى تخريب الحملة الانتخابية، والتدخل بها، والتأثير على رأي الناخب وهو ما استبقه بالفعل عبر تصويره التحقيقات على أنها محاولة للنيل منه وعائلته وأنه ضحية لحملات اليسار على وسائل التواصل الاجتماعي و الإعلام بهدف إقصائه عن السلطة وهو ما أعرب عنه بقوله إن المستشار القضائي للحكومة “استسلم للضغوط التي يمارسها اليسار ووسائل الإعلام لتقديم لائحة اتهام بأي ثمن، وقبل الانتخابات، نحن نأمل بألا ينجح اليسار في الضغط الذي يمارسه على نحو متواصل على الهيئات القضائية “.
سجل فساد نتنياهو يحوي أربع ملفات: الأولى،.أوصت الشرطة بتقديمه للمحاكمة فى القضية المعروفة إعلاميا بـ1000 وهى المتعلقة بحصوله على هدايا متمثلة فى سيجار فاخر وشمبانيا باهظة الثمن ورحالات إلى دول أوربية مقابل تقديم تسهيلات لرجال أعمال إسرائيليين تتمثل فى منحهم تأشيرات للسفر إلى الولايات المتحدة.أما القضية الثانية والتي تحمل رقم 2000 فتتعلق بممارسة نفوذه على صحيفتى يديعوت أحرونوت وإسرائيل اليوم، وإجرائه مساومات بهدف انحياز السياسة التحريرية للصحيفتين لمصلحته، من أجل كسب شعبية أوسع خلال انتخابات الكنيست فى عام 2015.
وفى منتصف نوفمبر الماضى، كشفت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، أن الشرطة الإسرائيلية ستحيل ملف اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بالرشوة إلى النيابة فى قضية رقم 4000، والمتهم فيها نتنياهو بمنح امتيازات ضريبية لشركة الاتصالات “بيزيك” مقابل أن يحظى بتغطية صحفية إيجابية فى الموقع الإخبارى “واللا”، الذى تمتلكه الشركة بهدف رفع شعبيته لدى الإسرائيليين.أما القضية “3000” المعروفة بقضية الغواصات الألمانية، وتتمثل فى عملية شراء غواصات إسرائيلية تبلغ قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات من شركة Thyssenkrupp الألمانية، حيث اشترت إسرائيل خمس غواصات من الشركة.
مع ذلك ,يعد ننتياهو الأوفر حظا والأقوى بين جملة مرشحي اليمين، إذ تشير وقائع سجله السياسي إلى براعته في عقد التحالفات وتخطى العوائق حيث يتوجب عليه الحصول على 61 مقعدا من أصل 120 هم مجموع مقاعد الكنيست وهنا تتجلى مهاراته في تشكيل التكتلات إذ على الأرجح سيعمل على تكوين ائتلاف من أحزاب وقوى سياسية صغيرة الحجم يمينية التوجه يتمكن من خلالها بالإضافة لحزبه الليكود من الحصول على الأصوات المطلوبة لترجيح كفته والفوز بمقعد رئاسة الوزراء.لكن إذا صمم النائب العام على أداء مهامه الوظيفية كما حدث أمس حين رفض طلبًا قدمته هيئة الدفاع عن سارة نتنياهو، زوجة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بشأن قضية الفساد المتعلقة بنفقات المقر الرسمي لرئيس الحكومة في القدس المحتلة، ومنزله الخاص في مدينة قيصريا فإن الأوضاع قد تأخذ منحى مغايراً.
بغضِّ النظر عن مآلات الأزمة الراهنة وتداعياتها على مستقبل رئيس الوزراء , تكشف التطورات الجارية أن الفساد بدأ يكتسب طابعًا أكثر تنظيمًا وانتشارًا لاسيما على صعيد القيادات العليا والتي تشمل العديد من رؤساء الدولة، ورؤساء الحكومة، والوزراء إذ أن كل رئيس حكومة وصل إلى السلطة، خلال ربع القرن الماضي، واجه اتهامات بالفساد ضمن شبكات واسعة ومعقدة من الطبقة السياسية العليا المترابطة فيما بينها بشبكة مصالح متبادلة سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي
القضية الأولى في تاريخ إسرائيل التي فُتح تحقيق جنائي فيها مع رئيس إسرائيل قضية “سروسيو”: اتُّهم في هذه القضية الرئيس الإسرائيلي الأسبق، عيزرا فايتسمان، الذي اضطر للاستقالة من منصبه كرئيس إثر تسرب معلومات في الصحافة عن تلقيه أموالًا بشكل غير قانوني تُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات من رجل أعمال فرنسي، وبالرغم من أن الشرطة أوقفت التحقيقات لعدم اكتمال الأدلة، إلا أن فايتسمان ترك منصبه في عام 2000
أول رئيس حكومة سابق في إسرائيل يدخل السجن إيهود أولمرت على خلفية إدانته بقضيتي “هولي لاند وتالانسكي “وحُكم عليه بالسجن 19 شهرًا بتهمة الاحتيال وخيانة الأمانة وعرقلة سير العدالة، حيث أُدين أولمرت في عام 2012 بأخذ الرِشا المتعلقة ببناء مشروع مجمع “هولي لاند” في مدينة القدس المحتلة أثناء شغل منصب رئيس البلدية، ثم أُدين في عام 2015 بتلقي رِشًا فيما يسمى “قضية تالانسكي”؛ إذ شهد رجل الأعمال الأميركي، موريس تالانسكي، بأنه أعطى أولمرت أموالًا.
قضية “الجزيرة اليونانية” اتُّهم بها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، آرييل شارون، الذي تولى المنصب من عام 2001 وحتى عام 2006، عن حزب الليكود الإسرائيلي، بتلقي مئات الآلاف من الدولارات، عندما كان يشغل منصب وزير الخارجية، كرِشًا في أواخر التسعينات من القرن الماضي من رجل الأعمال الإسرائيلي، “ديفيد أبيل”، لمساعدته في الحصول على تصريح لتطوير عقاري في اليونان فيما بات يُعرف بقضية الجزيرة اليونانية. وبالرغم من أن النيابة العامة أوصت حينها بتوجيه اتهامات ضده، إلا أن النائب العام رأى أن الأدلة لم تكن كافية.
كما كان يُشتبه أيضًا بتورط شارون في السيطرة على أراضي دولة وتعيينات سياسية، ومخالفات لقانون تمويل الأحزاب، وهي تهم تحمَّلها مساعده الشخصي، ابنه عمري شارون، وحُكم عليها بسبب بعضها بالسجن لمدة 7 أشهر بعد صفقة مع النيابة العامة في نوفمبر/تشرين الثاني 2015.
اللافت بالأمر أن المجتمع الإسرائيلي بات أكثر تساهلاً وتقبلاً للفساد حيث تشير استطلاعات للرأي إلى أن قطاعاً عريضاً من الناخبين سيواصلون التصويت لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على الرغم من الاتهامات التي تلاحقه واعتقادهم في فساده ,قد يكون الهاجس الأمني لدى الناخب الإسرائيلي وتضخيم القيادات السياسية له سبباً فى ردة الفعل الضعيفة لدى الغالبية العظمى من طبقات المجتمع إزاء الفساد ,لكنه بكل الأحوال ليس مبرراً كافياً لارتضائه والتعايش معه .









اضف تعليق