عقود طويلة مضت , ولا يزال شعب الأحواز يناضل من أجل الحافظ على هويته العربية ,فيما يواصل نظام ولاية الفقيه في نهجه الرامي إلى التفريس وإغلاق الأفواه المحتجة., فالإقليم الواقع في الجنوب الغربي لإيران , ذو خصوصية تاريخية وقومية طالما عمد الملالى عبر سياسات القمع والاعتقالات بل والاغتيالات إلى تغيير ملامحه وسمته الناطق بالضاد.
وحتى نفهم أوراق اللعبة جيداً علينا تفنيطها أولاً ..إذ تضم الفسيفساء الإيرانية مزيجا ً فريداً من قوميات عدة , فالتعدد سمة تميّز أرض فارس التي لا يشكل الفرس سوى 51 بالمئة من مكوناتها وفقا لتقديرات غير رسمية ، بينما تصل نسبة الأذريين إلى 24% ويشكل الجيلاك المازندارنيون 8% والأكراد 7% والعرب 3% واللور والبلوش والتركمان 2% لكل منهم، وبقية العرقيات 1% من السكان.
التركيبة الإثنية بالغة التعقيد وشديدة الخطورة خاصة وأن لها امتدادات جغرافية فى دول وأقاليم مجاورة ,تجعل القومية الفارسية تبدو كجزيرة معزولة وسط محيط من شعوب مختلفة ، فالعرب لهم امتداد طبيعي فى العراق ودول الخليج في الجنوب، والبلوش يرتبطون بإقليم بلوشستان في باكستان وأفغانستان فى الغرب والشمال الغرب ، أما التركمان فتتداخل مع تركمانستان في الشمال الشرقي، والأذريون يقطنون جنوب جمهورية أذربيجان، والأكراد جزء من الحلم الكردي الكبير في تركيا وكردستان العراق.
إقليم الأحواز أو ما يعرف بـ” عربستان ” أحد أحجار تلك الفسيفساء حيث أعلن ضمه رسمياً إلى إيران، في العام 1925 والذى مثل تاريخ نهاية الحكم العربي ، لتبدأ معاناة عرب الإقليم في التهميش والقمع العرقي والطائفي التي مارستها الأنظمة الإيرانية بامتياز منذ حكم الشاه الإيراني حيث تعرض الشعب الأحوازى مثل غيره من أبناء الأقاليم التي تنتمي إليها أقليات قومية أو دينية إلى سلسلة من إجراءات التهميش ,تمثلت بحظر تداول لغتهم في الجهات والمصالح الحكومية أو تعلمها في المدارس والجامعات، ومنعهم من تسمية أطفالهم بأسماء عربية، ووقف انتشار الزي العربي، بالإضافة إلى التمييز الوظيفي وعدم تعيينهم في هيئات ومؤسسات وجهات معينة. وقد عرف عهد الشاه محمد رضا بهلوي 1926 – 1979 وقبله فترة حكم والده الشاه رضا بهلوي 1925 – 1941 عمليات قمع ضد المطالب القومية،
ومع قيام الثورة الإسلامية العام 1979، شاركت بها مختلف القوميات غير الفارسية و كان الشيخ ألخاقاني القائد الروحي للأحواز على اتصال بقائد الثورة روح الله الخميني قبل عودته إلى إيران وقام الأحوازيون بتعطيل كامل الإنتاج النفطي وإرباك الاقتصاد أثناء الثورة .وتطلعت الشعوب الأحوازية حينها لنيل حقوقها في ظل نظام يستمد مبادئه من القيم الإسلامية وينادى بالمساواة لكن تبخرت آمالهم بمجرد وصول الملالى لقمة هرم السلطة ,فالنظام الذى يتشدق بنصرة المستضعفين فى الخارج سحق ضعافه فى الداخل واستمرت سياسات التمييز والإقصاء المتعمد من جانب الملالي.
الدمج القسري ومحاولات ترسيخ الهوية الإيرانية المتمثلة في اللغة والتاريخ والثقافة الفارسية والمذهب الشيعي أحد وسائل التنكيل بعرب الأحواز فبينما ينص الدستور الإيراني في البندين 15 و19 على حق الأقليات في استعمال لغاتهم في المجالات التعليمية والثقافية، تمنع السلطات تلك القوميات من استخدام لغتها الأم في المدارس والجامعات والإعلام ومن إصدار صحف أو مجلات أو مطبوعات عربية داخل الإقليم العربي، فضلاً عن إلغاء مؤسسات الحكم العربي السياسية والإدارية والقضائية, مبررة تعطيل مواد الدستور بقسوة اعتبارات الأمن القومي وظروف عدم الاستقرار الإقليمي.
محاولات تطويع الإقليم العربي والتي تضمنت تغيير أسماء المدن والقرى والأنهار التي لها أصول واشتقاقات عربية، بغية “محو أي أثر للوجود العربي في هذه الجغرافيا”؛ مثل “المحمرة” التي تحولت إلى “خرمشهر” و”ميسان” حيث صارت تعرف بـ “دشت ازادكان”.، تعود إلى أهمية الإقليم على الصعيدين السياسي والاقتصادي حيث تعد “الأحواز العربية” عاصمة ذخائر النفط الإيرانية وتستحوذ على 87% من إنتاج النفط ا و99% من إنتاج الغاز فضلا عن نصف المخزون المائى أى أن انفصالها عن إيران يعنى أن تكون دولة بلا مقدرات كذلك يقع أكثر من نصف الساحل الإيراني على الخليج العربي في محافظة الأحواز، مما يمنحها امتيازات اقتصادية وتجارية كبيرة
” وثيقة أبطحي ” فضحت محاولات الملالي لتغيير ديموغرافية الإقليم عبر أسلوب التهجير القسرى واغتصاب الأراضي العربية , ففى عام 2005 تسرّبت وثيقة صادرة من مكتب رئاسة الجمهورية الإيرانية في فترة حكم محمد خاتمي، موجهة إلى منظمة التنمية والتخطيط ووزارتي الاستخبارات والزراعة، مفادها تهجير ثلثي العرب من المنطقة واستبدالهم بغير العرب من الفرس وأتراك الأذربيجانيين بفترة عشرة سنوات وتغير ما تبقى من أسماء المدن والأحياء والقرى من العربية إلى الفارسية. الوثيقة هزت الشارع السياسي الأحوازي،و تسببت في اندلاع انتفاضة كبيرة ضد السلطات الإيرانية، التي فشلت في تنفيذ خطتها بتهجير العرب الأحواز وتوطين هويات أخرى.لكن السلطات الإيرانية عمدت خلال السنوات الماضية إلى اتباع أسلوب جديد، من خلال مشروعات تغيير مجرى مياه الأنهار الأحوازية إلى الوسط الفارسي، وهو ما قام به الرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني والحرس الثوري الإيراني بعد انتهاء الحرب الإيرانية العراقية، والذي أدى إلى جفاف الأراضي في الأحواز.
فشل الملالى فى جسر الهوة بين الجماهير الأحوازية وبين نظام الولى الفقيه أفضى إلى ظهور تيارات تحمل لواء الدفاع عن أرض الأحواز وهويتها العربية , وبدأت حركات النضال مع العام الأول من الثورة ولكن تصدت لها فتوى جهاد من روح الله الخميني وشن الحرس الثورى حملات إبادة واسعة ضد عرب الأحواز المنتفضين في المحمرة والتركمان في “تركمن صحراء”، والكرد في غرب إيران، وتم الرد على مطالبهم بالحكم الذاتي والحقوق المتساوية بالإعدامات الجماعية للقادة التركمان وفتح النار على المتظاهرين في المحمرة واجتياح عسكري لكردستان ,وأقيمت المحاكم “الثورية” للبت في أمر أفراد الأقليات المشاركين في التظاهرات ضد الحكومة الجديدة، ووصل عدد الضحايا حينذاك إلى582 شخصا.
الممارسات القمعية أفضت إلى ظهور ولادة تنظيمات مسلحة وحركات وطنية تهدف للاستقلال، كان أولها حزب سياسي منظم عام 1946 عرف باسم حزب السعادة، وبعده تشكلت منظمات ثورية وسياسية أخذت على عاتقها المقاومة ضد إيران. ومن أبرز تلك الحركات “الجبهة الشعبية لتحرير الأحواز ” التي تشكلت في عام 1971، ونفذت أكثر من مئة عملية عسكرية ضد الدولة الإيرانية. وتأتى “حركة النضال العربي لتحرير الأحواز” التي تبنت هجوم العرض العسكري يوم 22 من الشهر الماضي، ضمن أقوى المنظمات المناهضة للنظام الإيراني في الأحواز، وتأسست عام 1999 من قبل مجموعة من عرب الأحواز المقيمين في أوروبا حيث تهدف الحركة إلى إنشاء دولة عربية في الأحواز، وبدأت نشاطها المسلح ضد إيران في يونيو من عام 2005، وصنفتها طهران “جماعة إرهابية”.وينسب لها تنفيذ العديد من العمليات العسكرية لعل أهمها ما وقع في نوفمبر عام 2013، حيث فجرت منشآت نفطية في مدينة “الخلفية” جنوب شرق الأحواز. وخلال العام الماضي قامت الحركة بتفجير خطي أنابيب نفط في جنوب إيران، وأعلن حينها رئيس الحركة أحمد مولى مسؤوليته عن الهجوم رداً على “التطاولات الإيرانية في سوريا والعراق واليمن”.لكن مولى نفسه اغتالته المخابرات الإيرانية كما يقول معارضون أحوازيون٬ أمام منزله في لاهاي بنوفمبر الماضي.
وشهد تاريخ الأحوازيين نحو17 انتفاضة كان آخرها فى إبريل الماضي والتى اندلعت احتجاجا على السياسات العنصرية للنظام ،حيث أطلق النشطاء العرب الأحوازيين حملة “أنا عربي” عبر شبكات التواصل الاجتماعي عقب بث برنامج تليفزيوني خاص للأطفال تحت عنوان “كلاه قرمزي”، بمناسبة أعياد رأس السنة الإيرانية “النوروز”، تضمن فقرة استعراضية دعائية تتجاهل الوجود العربي بشكل كامل في منطقة الأحواز، وعرض دمية ترتدي زيا تتبع للقومية اللورية المهاجرة إلى الإقليم , لتندلع فى أعقاب الحملة التظاهرات والتي تم مواجتهها بالرصاص والقتل الأمر الذي دفع المحتجين إلى استخدام تكتيكات جديدة تعتمد على الخروج ليلاً للتقليل من عدد القتلى والمعتقلين ، وقد امتدت التظاهرات من مدينة الأحواز إلى 6 مدن أخرى، هي عبادان، ومعشور، والشبيشة، وشيبان، والحميدية، والأحواز العاصمة.
عواصف الاحتجاجات التي اندلعت في الأحواز من جديد انعكاس لحالة الاحتقان المستمرة داخل الإقليم وبالرغم من السياسات القمعية التى استمرت على مدار أكثر من ثلاثه عقود وتدرجت من طمس الهوية إلى الإعدامات المتتالية فى أعوام 2008 و 2012 إلا أن الأحوازيين لم يفقدوا الأمل فى إيصال صرختهم للرأي العام عبر تعريف المنظمات والمؤسسات الحقوقية والإنسانية، بعدالة قضيتهم ، حيث مدوا جسور التواصل مع وسائل الإعلام العالمية لدعم تلك القضية. كما وجهوا رسالة للجامعة العربية تطرح مطالبهم وتنشد دعمهم مطالبة بمقعد يمثلهم في المنظمة . وكانت القضية حاضرة أيضا خلال المنتدى الثامن للأقليات في الأمم المتحدة بجنيف في نوفمبر 2015









اضف تعليق