في واشنطن، تتزايد الأصوات داخل صانعي السياسات التي تطالب شركاء الولايات المتحدة في أوروبا ودول مجلس التعاون الخليجي باتخاذ خيار: إما الاصطفاف مع الولايات المتحدة أو مع الصين. هذا التصور، الذي يهدف إلى تعزيز النفوذ الأمريكي في ظل تصاعد المنافسة الاستراتيجية، يقلل من تعقيدات الشراكات العالمية في القرن الحادي والعشرين. بالنسبة لأوروبا، فإن الحسابات أصلاً معقدة. أما بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فإنها أكثر دقة، وتعكس عقوداً من الاعتماد الاقتصادي المتبادل، والاعتبارات الأمنية، والبراغماتية الجيوسياسية.
لفهم موقف دول مجلس التعاون الخليجي، من الضروري النظر إلى علاقتها الحالية مع الصين. خلال العقد الماضي، وسعت بكين حضورها في الخليج بشكل مطرد. أصبحت الصين الآن الشريك التجاري الأكبر للمنطقة، مع استثمارات تمتد عبر الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا. في السعودية، أصبحت الصين شريكاً رئيسياً في تجارة النفط والبتروكيماويات. وفي الإمارات، تحتل شركات التكنولوجيا الصينية مكانة بارزة في مشاريع المدن الذكية، ومبادرات الذكاء الاصطناعي، والاتصالات. إن تعامل دول الخليج مع الصين ليس مجرد تبادل تجاري، بل يعكس تحوطاً استراتيجياً وتنويعاً للعلاقات ورغبة في الاستفادة من قوة صاعدة، مع الحفاظ على العلاقات التقليدية مع واشنطن.
هذا التوسع في العلاقة يوضح حقيقة بسيطة: لا يمكن لدول الخليج بسهولة “الاختيار” بين واشنطن وبكين دون تكبد تكاليف كبيرة. الاصطفاف الكامل مع الولايات المتحدة يتطلب أكثر من مجرد الدعم الكلامي؛ فهو يستلزم التزاماً متبادلاً من واشنطن، بما في ذلك الوصول إلى أنظمة الدفاع المتقدمة، ونقل التكنولوجيا، وتبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل كامل—مجالات غالباً ما تواجه قيوداً حتى مع الحلفاء التقليديين. بالنسبة لدول الخليج، المخاطر أكبر، حيث ترتبط الأمن الإقليمي ارتباطاً وثيقاً بالوجود العسكري الأمريكي وإمدادات الأسلحة.
لقد استخدمت الولايات المتحدة مظلتها الأمنية لضمان التعاون الخليجي في النزاعات، ومكافحة الإرهاب، واستقرار الطاقة لعقود. ومع ذلك، حتى في ظل الضغط على الشركاء بشأن الصين، غالباً ما تقيد واشنطن الوصول إلى التكنولوجيا والدفاع بسبب اعتبارات سياسية وصناعية واستراتيجية داخلية. إذا كانت واشنطن تسعى للحصول على “اصطفاف كامل” من الخليج، يجب أن تسأل نفسها: هل هي مستعدة لتقديم التزام شامل بالمثل—وصول غير محدود إلى أنظمة الدفاع المتقدمة، وتطوير مشترك للتقنيات الناشئة، وتكامل أمني شبه كامل؟ دون هذا التبادل، فإن الدعوات للاختيار قد تبدو مجرد مطالب مؤقتة وليست استراتيجية، ما قد يجهد العلاقات التي تم بناؤها بعناية على مدار عقود.
في المقابل، تقدم الصين لدول الخليج نموذجاً مختلفاً: التجارة والاستثمار والتنمية دون شروط أمنية واضحة. هذا النهج جذاب للدول التي تسعى لتنويع شراكاتها الاقتصادية وتقليل الاعتماد على قوة عظمى واحدة. هذا لا يعني وجود تحالف إيديولوجي، بل يعكس البراغماتية. فالسعودية والإمارات ودول الخليج الأخرى تدرك أهمية الحفاظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة من أجل الدعم الدفاعي والسياسي، لكنها ترى أيضاً قيمة في التعامل مع بكين لتعزيز المرونة الاقتصادية والنفوذ الإقليمي. إن مطالبة هذه الدول بقطع أو تقليص علاقاتها مع الصين أمر غير واقعي، وقد يضر بمصالحها الاستراتيجية الأوسع.
كما أن جدوى الإطار الثنائي الذي تطرحه واشنطن تعتمد على التوقيت والسياق. فالتوترات الأمريكية-الصينية مدفوعة بالنزاعات التجارية، والتنافس التكنولوجي، والريادة الجيوسياسية. لكن الأفق الاستراتيجي للخليج يتشكل وفق الأمن الإقليمي، وأسواق الطاقة، وخطط التنمية الاقتصادية الطويلة الأجل مثل رؤية السعودية 2030 أو استراتيجيات الإمارات الوطنية. أي ضغط متصور على “الاختيار” قد يُنظر إليه على أنه خارج أولويات هذه الدول. بالفعل، تُظهر الدبلوماسية الخليجية الأخيرة حرصاً على التوازن: الانخراط الاقتصادي مع الصين، والحفاظ على علاقات أمنية قوية مع الولايات المتحدة، والسعي نحو استقلالية استراتيجية حيثما أمكن.
وعلاوة على ذلك، يجب على واشنطن أن تدرك قيودها الخاصة. فقد كانت سياستها تجاه الخليج غالباً ما تكون تبادلية، حيث تتشابك صفقات الأسلحة والوجود العسكري والنفوذ السياسي. توقع الاصطفاف المطلق من الشركاء—دون تلبية احتياجاتهم الاستراتيجية بشكل كامل—قد يكون أمراً غير واقعي. كما تواجه الولايات المتحدة قيوداً داخلية من حيث ضوابط التصدير والرقابة التشريعية على نقل التكنولوجيا، ما يحد من قدرتها على تقديم شراكة شاملة كما تسعى إليها. دون حوافز ومؤشرات موثوقة، قد ينتج عن مطالب واشنطن امتثال جزئي فقط، أو دفع دول الخليج نحو موقف أكثر حياداً يسمح لها بالتعامل مع كل من واشنطن وبكين.
في الواقع، موقف دول الخليج ليس نتاج تردد أو خيانة؛ بل يعكس تنويعاً استراتيجياً محسوباً. فالقادة الخليجيون يدركون أن خياراً ثنائياً قد يضر بالنمو الاقتصادي أو الاستقرار الإقليمي أو أمن الطاقة. كما أنهم يدركون أن بكين قوة صاعدة قادرة على التأثير في الأسواق العالمية، في حين تبقى واشنطن الضامن الأمني الحيوي. إدارة هذا التوازن أقل صلة بالاختيار بين الجانبين، وأكثر صلة بالمرونة الاستراتيجية—وهو المبدأ الذي وجه السياسة الخارجية الخليجية لعقود.
إذا رغبت واشنطن في تأمين الاصطفاف الحقيقي، عليها تجاوز الخطاب السياسي. يجب على صانعي السياسات إدراك أن الاصطفاف طريق ذو اتجاهين، يتطلب ليس فقط المطالب بل أيضاً الدعم الموثوق والوصول والتعاون. وإلا، فإن الدعوة للاختيار قد تبسط واقعاً جيوسياسياً معقداً وتضعف النفوذ الأمريكي على المدى الطويل في منطقة حيوية للأمن العالمي وأسواق الطاقة.
دول مجلس التعاون الخليجي ليست مجرد قطع شطرنج يمكن تحريكها وفق أهواء واشنطن. خياراتها ستعكس الحكمة والبراغماتية والتوازن الدقيق بين المصالح. في عالم يُطلب فيه من الشركاء “الاختيار” دون التزام متبادل، قد يجد واشنطن نفوذها محدوداً—ليس لأن الحلفاء غير مخلصين، بل لأنهم يتصرفون بشكل استراتيجي
-تم الاستعانة بـchatgpt فى كتابة المقال









اضف تعليق