عندما نواجه غضب الطبيعة، سواء كان زلازل، حرائق غابات، أعاصير أو أي كارثة طبيعية أخرى، يظهر فوراً تضامن بين الدول. هذا التضامن والدعم الإنساني يظهر أحياناً حتى بين أسوأ الأعداء. قد لا يدوم هذا التضامن طويلاً في مواجهة التوترات الجيوسياسية، لكنه دليل على أن هناك شيئًا أعمق يوحدنا. اليوم، تواجه إيران تهديداً تاريخياً. إنه ليس تهديداً عسكرياً، بل ندرة المياه وقلة الأمطار.
تمر إيران بأسوأ موجة جفاف لها منذ أكثر من ستين عاماً. تشير التقارير الإعلامية إلى أن السدود الكبرى شبه فارغة؛ علاوة على ذلك، فإن احتياطيات المياه الجوفية تكاد تنفد. هذا يترك مدنًا بأكملها في وضع كارثي. وقد أجبرت السلطات المحلية على تقنين المياه بشكل متقطع وبدأت في النظر في إمكانية إجلاء السكان. من الواضح أن هذه الأزمة تتجاوز الإضرار بالصحة العامة للشعب الإيراني وتمس استقرار المنطقة ككل.
المياه والموارد الأخرى تمثل مخاطر وفرصاً في الوقت ذاته. إذا اعتبر المحللون أن عناصر الأرض النادرة يمكن أن تسبب توترات جيوسياسية وحتى حروباً، فإن ندرة المياه ستكون أمراً أعظم. التوترات حول بناء السدود حول العالم لتدفقات المياه العابرة للحدود هي إشارة واضحة للمخاطر الجيوسياسية الهامة، أو حتى التصعيد نحو مواجهة عسكرية. خلال العقد الماضي، هناك بعض الأمثلة التي تبرز ذلك: إثيوبيا–مصر–السودان مع سد النهضة الإثيوبي الكبير، الهند–باكستان مع سدود كيشانغانغا وباغليهر، تركيا–العراق–سوريا ومشروع GAP على نهري دجلة والفرات، وحتى الصين–الهند مع السد على نهر براهمابوترا.
أعتقد أن هناك طريقاً آخر. إذا اعتبرنا هذه المواقف كما نعتبر أي كارثة طبيعية أخرى، وبدلاً من السماح للأوضاع بالتدهور، تم تطوير حل إقليمي، فإن ذلك سيغير كل شيء. البحث عن حلول مشتركة يمكن أن يؤدي إلى تحول إيجابي. هذه المشاريع المشتركة ستربط مصالح مناطق بأكملها وستدفع أيضاً لتعزيز العلاقات السياسية. يمكننا أن نأخذ مثالاً على ذلك من الجماعة الأوروبية للفحم والصلب، التي بدلاً من الانخراط في دورة الحروب المستمرة لأقاليم المناجم، خلقت خطوة أولى نحو الاتحاد الأوروبي. وهذا يتجاوز اللجان القائمة حالياً للحفاظ على جودة المياه واستخدامها، من أجل تجنب التصعيد كما نعرف أنه موجود بالفعل.
هناك حاجة للذهاب أبعد من ذلك وابتكار حلول طويلة الأمد من خلال مشاريع إقليمية. هذه المشاريع، من خلال البحث عن حلول، ستطور تعاوناً حقيقياً بين الدول المجاورة. ويمكن أن تشمل عدة مستويات. بالطبع، جميع هذه المشاريع تتطلب مشاريع بنية تحتية ضخمة تتطلب دعم الحكومات. ثم، سيسمح ذلك بتطوير شركات خاصة من دول مختلفة لتطوير شراكات ودعم خطط الحكومة. هذه التحالفات لن تدعم فقط إيجاد حلول لمخاطر تهدد الحياة، بل ستخلق وظائف جديدة وتعزز البنية التحتية الإقليمية. لا يجب أن يتوقف الأمر هنا؛ بل يجب أيضاً دعوة رواد الأعمال من جميع الدول لتطوير حلول مبتكرة، وهنا أيضاً سيتم تشجيع التعاون عبر الحدود.
بدأت إيران بعملية تلقيح السحب لتحفيز الأمطار ومحاولة حل مشكلات المياه لديها. وبينما تحاول تغيير السحب، يجب أن تنظر أيضاً في تبديد سحب سياستها الخارجية من خلال تحويل نهجها. لا شك أن تكامل إيران الأكبر ضمن الاقتصاد الإقليمي سيكون دفعة صافية لجميع الاقتصادات وتحولاتها. ومع ذلك، لن يكون ذلك ممكنًا بدون تغيير كامل في سياستها الخارجية، بدءاً بوقف أي دعم للجماعات المسلحة غير الحكومية، مثل لبنان أو العراق، والتخلي عن دعم المنظمات الإرهابية. يجب أن تفكر في شعبها ومستقبل الأجيال في كامل الشرق الأوسط.
الأمر يتعلق ببناء المنطقة عبر الأعراق والأديان وحتى الأيديولوجيات السياسية. على الرغم من الانتقادات الحالية، يعد الاتحاد الأوروبي مثالاً واضحاً على هذا البناء الإيجابي. فقد شهدت القارة القديمة سلاماً حقيقياً فقط بعد فظائع الحربين العالميتين (وعقود من الحروب) من خلال إنشاء مشاريع مشتركة. مثال آخر واضح هو ENTSO-E (الشبكة الأوروبية لمشغلي نظم نقل الكهرباء)، التي تشرف على نقل الكهرباء عبر 39 دولة، لضمان استقرار الشبكة، وتكامل السوق، وتدفق الطاقة عبر الحدود. نفس النموذج يمكن أن يجلب الاستقرار للمنطقة. شبكة الربط الخليجي هي شيء يمكن البناء عليه وتوسيعه.
عندما يتعلق الأمر بالمياه، فإن دول الخليج هي الأفضل موقعاً لمساعدة إيران على إيجاد حل طويل الأمد. فهي تهيمن على العالم في قدرات تحلية مياه البحر، ومع الإمكانات الشمسية، يمكنها المساهمة في تغيير الديناميكية الإقليمية بأكملها.
هناك فرصة تاريخية للتغيير. القوى الإقليمية اليوم لديها قدرة أكبر من الستين عاماً الماضية، عندما واجهت موجة جفاف أسوأ. كما أظهرت دول مجلس التعاون تحولاً كاملاً وانخراطاً بعيداً عن التوترات الجيوسياسية التقليدية لإعطاء الأولوية لتطويرها ورفاهية مواطنيها، وهو ما يرمز إليه استراتيجية الاستثمار لصندوق الاستثمارات العامة. في عام 2023، استثمر حوالي 20% من محفظة الصندوق دولياً وحوالي 76% داخلياً في السعودية. ومع ذلك، تشير التقارير الإعلامية إلى تركيز أكبر على الاستثمارات المحلية، مع انخفاض الاستثمارات الدولية إلى 17% بحلول نهاية 2024، مقابل الاستثمارات السعودية. هذا تغيير حقيقي في قواعد اللعبة.
ينبغي على قادة إيران أن يغتنموا هذه الفرصة التاريخية لإعادة ضبط سياساتهم. فهم لا يحتاجون إلى حزب الله أو أي جماعات إرهابية أخرى؛ بل يحتاجون إلى صداقة جميع جيرانهم في الشرق الأوسط لبناء رفاهية شعوبهم وتحقيق السلام والاستقرار في كامل المنطقة.
تحول تاريخي: يمكن لإيران حل أزمة المياه بالتخلي عن حزب الله وبناء الوحدة الإقليمية








اضف تعليق