الرئيسية » أحداث اليوم » حزب الله ونهاية دوره في لبنان والمنطقة
أحداث اليوم تقارير ودراسات رئيسى

حزب الله ونهاية دوره في لبنان والمنطقة

يحبس الشرق الأوسط والعالم أنفاسهما ترقّبًا لاحتمال توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية لإيران. وبينما تبني واشنطن أكبر حشد عسكري من السفن الحربية والطائرات في المنطقة منذ عقود، وتجلس في الوقت نفسه إلى طاولة التفاوض مع النظام الإيراني، ينشغل اللبنانيون مجددًا بسيناريوهات متعددة حول ما قد يحدث. لكن هناك حقيقة واحدة شبه مؤكدة: حزب الله لن يكون قادرًا على المشاركة بفعالية، إن شارك أصلًا.

إن كان ثمة من شك، فإن إسرائيل تمحوه. فقد كثّفت إسرائيل ضرباتها الجوية، لا سيما ضد قدرات الحزب الصاروخية. وأسفرت أحدث الضربات عن مقتل ثمانية من عناصره، بينهم القيادي البارز حسين محمد ياغي. وتهدف هذه العمليات إلى تقويض قدرات الحزب الصاروخية. ومنذ وقف إطلاق النار، تقول إسرائيل إنها دمّرت ما بين 70 و80% من قدرته على إطلاق الصواريخ، وقُتل أكثر من 400 من عناصره وحلفائه. ومع ذلك، يُعتقد أن الحزب لا يزال يخزّن آلاف الصواريخ بمديات مختلفة. كما استهدفت تل أبيب مراكز قيادة لحركة حماس في مخيم عين الحلوة.

من الصعب الاعتقاد بأن العلاقة بين حزب الله وراعيه في طهران على ما يرام اليوم. فإلى جانب الضربات الدقيقة المعتمدة على معلومات استخباراتية مذهلة، لا شك أن إسرائيل زرعت الشك في جانبي العلاقة. الطاعة العمياء والالتزام المطلق اللذان دفعا مقاتلي الحزب إلى سوريا وأدّيا إلى إطلاق مغامرات عسكرية دمّرت لبنان، أصابهما التصدّع. وكما تنحت قطرة الماء الصخر بتكرارها، نجحت إسرائيل في إضعاف هذا الالتزام الحديدي.

هناك امتعاض مزدوج. يستطيع حزب الله أن يدّعي بسهولة أن راعيه لم يسارع لنجدته حين تلقّى أقسى الضربات، حتى عبر تحريك وكلاء آخرين كالميليشيات العراقية لتخفيف الضغط عنه. وبالمثل، تستطيع طهران أن تتهم الحزب بعدم التدخل عندما ضُربت هي العام الماضي. في الواقع، يدرك الطرفان أن التدخل كان عديم الجدوى، لكن ذلك يطرح للمرة الأولى سؤالًا جوهريًا حول جدوى الحزب نفسه. فـ”عِلّة وجود” حزب الله كانت الدفاع عن النظام الإيراني إلى أن يمتلك قدرته النووية العسكرية. وبعد تحقيق ذلك، يُفترض أن تحمي “قبة حديدية” جديدة مصالح طهران ومشاريعها التوسعية. غير أن الحزب بات أخيرًا عاجزًا عن أداء الدور الذي صُمّم من أجله.

في نهاية المطاف، حزب الله، بوصفه جزءًا لا يتجزأ من المنظومة العسكرية للنظام الإيراني، يحتاج إلى وقفة عقلانية. أو بالأحرى، على قيادته الجديدة بعد موجات الاغتيالات المتتالية أن تتوقف لحظة للتفكير. كل المؤشرات تدل على انتهاء دوره. فمن المنظور الإيراني، أصبح متقادمًا بفعل التفوق التكنولوجي الإسرائيلي. ومن المنظور الأميركي أو الغربي، سواء امتثلت إيران لشروط واشنطن غير القابلة للتفاوض أم لا، فلن يُمنح الحزب بعد اليوم “حق المقاومة” الذي اكتسبه في تسعينيات القرن الماضي.

هذا يعني أن كونه الجماعة المسلحة الوحيدة المسموح لها قانونيًا في لبنان أصبح أمرًا منتهي الصلاحية. لقد حان الوقت ليدرك الحزب هذا التحول الجيوسياسي الكبير، وأن يفهم أن أيامه معدودة مهما كانت السيناريوهات. أمام أعضائه الذين لم تتلطخ أيديهم بعد بدماء الإرهاب خيار واضح: إما الدفع نحو تسليم سلاحه والتحول إلى تشكيل سياسي جديد يمكن وصفه بأنه “ما بعد ديني”، أي تمثيل الطائفة الشيعية دون فرض أجندة دينية على الدولة بأسرها، مع التركيز على رفاه وازدهار بيئته؛ أو مواجهة تدمير كامل. وفي كلا الحالين، لن يبقى حزب الله كما نعرفه، لا اسمًا ولا تمثيلًا سياسيًا.

ثمة حاجة إلى ولادة قيادة شيعية سياسية جديدة. لا مكان لحزب الله في مستقبل لبنان. يمكن الاستفادة من تجارب الأحزاب الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، التي وإن بقيت متجذّرة في قيم مسيحية، تطورت تدريجيًا نحو التركيز على الحكم والسياسات الاقتصادية بدل الأهداف الدينية الصريحة. ولم يعد مقبولًا وجود جماعة تتبع أهدافًا عابرة للحدود، وتستمد ولاءها وتوجيهها من خارج لبنان.

الوقت ينفد، وعلى حزب الله أن يتحرر من قبضة النظام الإيراني. احتمال حدوث ذلك ضئيل جدًا، وقد يسعى الحرس الثوري إلى ضمان أن يدفع وكيله الثمن إذا قرر الرئيس ترامب عملًا عسكريًا، حتى لو كان ذلك آخر ما يفعله. وفي المقابل، لا شك أنه سيكون بندًا مطروحًا إذا تم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران.

لهذا، فإن الامتثال الكامل لخطة الدولة اللبنانية لنزع السلاح بات يصب في مصلحة الحزب نفسه، إذ إن مبررات وجوده تتآكل في معظم السيناريوهات المحتملة. أما إذا اختار الطريق الأصعب، فمن المؤكد أن تكون تلك المرة الأخيرة التي يتسبب فيها بالدمار وسفك الدماء في لبنان.

تم الاستعانة  بأجزاء من هذا المقال بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي

الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى