تحليل : هبة المنسى
عناصر التحليل :
- ملامح المشهد الانتخابى فى العراق
- قراءة فى التحالفات والكتل السنية والشيعية
- العامل الإيرانى فى انتخابات 2018
- الأحزاب الكردية وتداعيات الاستفتاء على مسار الانتخابات
- الانقسام السياسى وانعاكساته على تشكيل الحكومة
- من يفوز برئاسة الحكومة المقبلة ؟
سلة الانتخابات العراقية “حبلى” بالتعقيدات التى خلفتها التطورات الميدانية وبعدد المرشحين أيضاُ ,فأينما وليت وجهك تحاصرك اللافتات وتطل عليك الوجوه الصارمة من الملصقات المعلقة استعداد للانتخابات التشريعية .ترقب يسود داخل العراق وخارجه, فسخونة الموسم الانتخابى فى الثانى عشر من مايو لن يضاهيها سوى كرات اللهب التى سيطلقها ترامب فى ذات الموعد بشأن الاتفاق النووى إذ حذر مراقبون من تداعيات التوترات السياسية بالمنطقة على مستقبل العراق الذى يمر بمرحلة “نقاهة ” محاولاً الإفلات من عنق زجاجة عمرها عقد ونصف .
معركة أو ربما صخب سياسى عنوانه الانتخابات النيابية ,حيث يخوض السباق وفقا للمفوضية العليا نحو 7 آلاف مرشح يمثلون 88 حزبا وتحالفا انتخابيا، حسبما أعلن خلال قرعة توزيع الأرقام الانتخابية للأحزاب والقوى السياسية. كانت أبرز أرقام القرعة 108 لقائمة النصر بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي، و102 لقائمة الفتح المقربة من ميليشيات الحشد الشعبي، بزعامة هادي العامري القيادي في الميليشيات.
الترجمة الصريحة لضحالة الواقع السياسى تتجسد فى أن المرشحين يتنافسون على 329 مقعدا برلمانيا، 71 منها مخصص للعاصمة بغداد التي يتنافس فيها الجميع، سنة وشيعة وأكراد، وبينما تتنافس القوائم الانتخابية الشيعية على ما مجموعه 124 مقعدا في 9 محافظات أبرزها البصرة. فإن أحزاب وقوائم المكون السني تخوض السباق على 75 مقعدا خصصت لأربع محافظات ذات غالبية سنية، هي نينوى وديالى والأنبار وصلاح الدين. فى حين تناضل القوائم والأحزاب الكردية على ما مجموعه 46 مقعدا، خصصت لمحافظات الإقليم الثلاث، أربيل ودهوك والسليمانية. الحكومة العراقية بدورها أضفت مزيداً من الزخم على مسار العملية السياسية! حيث تعاقدت مع نحو 254 ألف شخص سيتم توزيعهم على 54 ألف مركز بهدف مراقبة الانتخابات في كافة المحافظات العراقية.
مآلات المقامرة الديمقراطية في العراق أسفرت عن تشظّي المشهد السياسي فالراسخون بالعلم فقط هم من يعلمون عدد الكتل السياسية الهلامية الممثلة في مجلس النواب السابق التى لاتلبث وتظهر ثم سرعان ماتختفى أو تندمج مع كيانات أكبر. لذلك ليس نوعاً من المبالغة القول إن مجلس النواب العراقي يضم 328 “كتلة”،هى نفسها عدد النواب أى أن كل نائب شكل كتلة خاصة به.
حمى التفكك مستمرة فى انتخابات 2018 وحزب الدعوة الإسلامية الذى استأثر بالحكم فى العراق منذ عام 2005 و خاض الانتخابات السابقة تحت مظلة ” ائتلاف دولة القانون ” اختار أن ينافس نفسه و قرر دخول سباق هذا العام بقائمتين منفصلتين الأولى بر ئاسة نورى المالكى وتعرف بـ” دولة القانون ” والثانية بقيادة رئيس الوزراء الحالى حيدر العبادى الذى حملت قائمته اسم النصر فى إشارة إلى الانتصار على داعش في فترة حكمه، بعد أن احتل التنظيم مساحات واسعة من العراق في ولاية منافسه نوري المالكي . اتساع هوة الخلاف وتباين الرؤى بين جناحى الحزب دفعته للانسحاب من المعركة الانتخابية ليفسح المجال أمام تياراته المتنافسة إذ يصر المالكى على تشكيل حكومة أغلبية سياسية بعد الانتخابات فى حين يرى العبادى فى هذا الأمر نوع من الإقصاء لبقية مكونات الشعب ويؤمن بضرورة تشكيل حكومة توافقية .
لعل أهم مايميز انتخابات 2018 ظهور تيارات عابرة للطائفية تحاول تبنى مفهوم الديمقراطية والتخندق بعيداً عن خطابات المحاصصة والعشائرية بهدف التخفيف من حدة الانقسامات المجتمعية ومن أبرز هذه الكيانات التيار الصدري الذى خرج عن التحالف الشيعي وانضم إلى تحالف( سائرون) المؤتلف مع الحزب الشيوعي العراقي والأحزاب المدنية الأخرى كذلك حزب تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم , المنشق عن المجلس الأعلى الإسلامي .
لاشك أن تحرك الكيانات الشيعية فضلا عن وجود شخصيات من طوائف مختلفة على قائمة العبادى إلى جانب ائتلاف الوطنية بزعامة اياد علاوي. يعد خطوة إيجايبة لخلق مسار انتخابى مدنى إلا انه من غير المرجح فى المرحلة الراهنة تشكيل تحالف قوى يضم العابرون للطوائف من شيعة معارضين لنهج نوري المالكي وعرب سنة وأكراد وآخرين. وبالرغم من توقيع الكتل السياسية على ميثاق لتجريم استخدام الطائفية غير أن آلة الدعاية الانتخابية استباحت كل شىء ونجحت القوى السياسة فى التملص حيث وظف بعض المرشحين بحملاتهم الانتخابية شعارات بتوجهات دينية ومذهبية كما شكل فرصة لبعض الأحزاب السياسية لإعادة إحياء “الخطاب الطائفي” بغية تحقيق مكاسب انتخابية.
العامل الإيراني حاضر بقوة فى المشهد الانتخابى العراقى وذلك بفضل ميليشيات الحشد الشعبي الموالية لطهران والتي أضحت الآن شريك رئيسى بالعملية السياسية إذ يخوض أكثر من 500 من أعضاء القوات العسكرية الانتخابات التشريعية المقبلة. ومع نص قانون الأحزاب على أن الكتل والاحزاب السياسية التى تملك جناحاُ عسكريا لا يحق لها خوض الانتخابات النيابة قامت بعض فصائل الحشد ، مثل منظمة بدر وعصائب أهل الحق، وسرايا الخراساني بحل أجنحتها العسكرية والدخول في الانتخابات عبر أذرعها السياسية .نفاذ فصائل الحشد الشعبى إلى هرم السلطة فى العراق بالإضافة لكونه تكريساً للنهج الطائفى ,قد يقطع الطريق أمام العبادي فى الحصول على ولاية ثانية ويدفع بقائد منظمة بدر ,هادى العامرى لتولى رئاسة الحكومة الجديدة حيث كشفت مواقع عراقية عن وجود صفقات يعمل عليها النظام الإيراني في العراق من أجل الإطاحة برئيس الحكومة حيدر العبادي في الانتخابات المقبلة.
تحول الحشد الشعبى إلى كيانات سياسية قد يفضى إلى تداعيات اشد خطورة على مستقبل العراق لاسيما مع عدم وجود أى ضمانات بتنازلها عن أسلحتها وتخليها عن ارتباطها بالحرس الثوري بما يعنى امتلاك قوة عسكرية خارج إطار الدولة وقدرة تلك المليشيات على توظيف السلطة لصالحها , فضلا عن منحها غطاءاً شرعيا لتعزيز نفوذها على حقول النفط العراقية في كركوك والبصرة وجميع منافذ العراق الاقتصادية والتجارية. خيوط التدخل الإيرانى تتكشف من خلال تصريحات علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي للشؤون الدولية، أثناء زيارته لبغداد في 17 فبراير الماضى، والتي قال فيها إن بلاده لن تسمح لليبراليين والشيوعيين بالحكم في العراق .
الحضور السنى فى المعادلة السياسية لايزال شرفيا ,فوجود اسم سنّي على القائمة العبادية لا يعنى أنه تم إشراك السنّة في قرار العراق .إذ تكمن معضلة المكون فى حالة التشرذم والانقسام وتحالف القوى العراقية الذى كان ينضوى تحت خيمته مختلف الأحزاب السنية أصابه التفتت وتحول أعضائه إلى أوراق محروقة فى الشارع السنى لاسيما مع تبادل الاتهامات حول انخراط زعمائه فى تحقيق مصالح شخصية واتهام البعض الآخر فى قضايا إرهابية .ومع تشكيل عشرات الأحزاب السنية في المناطق المحررة من داعش وعدم ضمها تحت سقف واحد , يفتقد السنة وجود أحزاب ذات ثقل سياسى يمكنها من تحقيق تمثيل أوسع باستثناء الحزب الإسلامى والذى يبدو متناقضا, يعيش بين الثنائيات.
من المبكر في ضوء المعطيات السابقة التنبؤ بحدوث توحد داخل الجبهة السنية رغم كونه ضرورة ملحة لدخول نادي السلطة في بغداد بقوة،لكن يظل الرهان على ائتلاف أياد علاوي(الوطنية) قائماً ,فقد يشكل مع الأحزاب السنية الصغيرة الفائزة بمقعدين أو ثلاثة المعارضة السياسية في البرلمان المرتقب .
وضع الأكراد يكاد يكون الأسوأ منذ عام 2003، فللمرة الأولى تبدو الخارطة الكردية غير واضحة المعالم حيث اسفر استفتاء الانفصال عن تشتت القوى الكردية الرئيسة التى كانت تعمل تحت مظلة (التحالف الكردستاني) وانشطر حزب الاتحاد الوطني الكردستاني إلى ثلاثه كيانات ، الأول يمثل العدالة والديمقراطية بزعامة برهم صالح والثاني بزعامة كوسرت رسول والثالث بزعامة هيرو احمد زوجة طالباني وابنها بافل .
وتشكل الأحزاب البديلة مثل حركة كوران التي انشقت من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية وحركة الجيل الجديد بقيادة شاسوار عبدالواحد ,أحد أهم التحديات التى يواجهها البيت الكردى وتنذر بتفييت أصواته فضلا عن الانتكاسات التى تعرض لها الأكراد والتى تمثلت فى ترشح بعضهم للمرة الأولى على قوائم عربية في الإقليم الشمالي ضمن تحالف النصر بقيادة حيدر العبادى وظهور مصطفى شيخ كاوا، حفيد الملك الأسطوري للأكراد، ضمن قائمة عمار الحكيم. الشتات الكردى كان من نتائجه تنافس نحو 503 مرشحين يمثلون 77 كياناً وائتلافاً على نحو 46 مقعداً برلمانياً فكل المؤشرات ترجح أن الأحزاب الكردية التى حصدت 62 مقعداً فى انتخابات 2014 ستخسر ما لايقل عن 15 مقعد في البرلمان الاتحادي المقبل .
تحول ميزان القوى وتفشى الصراعات داخل المكون الكردى لن يمكنه من فرض شروطه هذه المرة حيث دفع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني أعضاء حزبه لاستباق الانتخابات والمطالبة بمنصب رئيس البرلمان المقبل بدلاً من رئاسة الجمهورية بسبب القوانين المهمة والحساسة التي ينتظر إقرارها ,كما طالبوا أيضا بتولي إحدى الوزارات السيادية المتمثلة في الخارجية أو الدفاع أوالداخلية . إشكالية المطالب الكردية فى عدم قدرتها على استيعاب المتغيرات الجديدة فالأكراد الذين خاضوا الانتخابات السابقة فى 2014، بتحالف واحد، سهل توزيع المناصب تحولوا إلى رقم هش بفعل الانقسامات الداخلية وغياب المرجعية الموحدة .
انقسامات الانتخابات البرلمانية قد تهدد تشكيل الحكومة المقبلة , وانشطار الكتل الكبيرة من شأنه أيضا الحيلولة دون قيام حكومة الأغلبية لانه فى ظل الوضع الراهن فإن أعداد المقاعد النيابية بين الكتل ستكون متقاربة للغاية وستتراوح من ـ20 إلى 50 مقعدا لكل كتلة وسيتطلب تشكيل الحكومة تحالف ثلاث قوائم انتخابية على الأقل الأمر الذى يعنى أنه مع عدم حدوث توافق بين الكتل فإن القوائم الصغيرة سيكون لها القول الفصل والدور الحاسم فى الصراع الدائر تحت القبة كما سيعزز الوضع من الاصطفافات والتقوقع الطائفي ونعود إلى أزمة تشكيل الحكومة فى برلمان 2010 .
كل الاستطلاعات والتوقعات تشير إلى أن تحالف (النصر) سيحصد 80 مقعدا كحد أدنى وبالتالي مؤشر لدفع العبادي إلى دورة ثانية.تحالف مقتدى الصدر سيأتي بالدرجة الثانية بعد تحالف النصر بمعدل 45 مقعد.تحالف الفتح بزعامة هادي العامري سيكون بالمستوى الثالث بمعدل 33 مقعد.تحالف دولة القانون بزعامة نوري المالكي سيكون بالمستوى الرابع بمعدل 23 مقعد.تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم لاتتجاوز مقاعده عن 11 مقعد.
من يفوز برئاسة الحكومة ؟ ..الشكل المبهم للحكومة لن ينعكس على شخص رئيسها وتنافس حاليا على المنصب الأهم، 3 كتل شيعية.ويقود الأولى رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، والثانية رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، والثالثة تضم مرشحين عن مليشيا الحشد الشعبي الموالية لإيران بقيادة هادي العامري.وهناك كتلة رابعة تضم التيار الصدري التابع للزعيم الشيعي مقتدى الصدر، لكن فرصتها تأتي بعد الكتل الثلاث.
وقياساً على المعلومات المعلنة عن الكتل الثلاث وتصريحات ومواقف قادتها بالإمكان اعتبارها جميعاً موالية لإيران بشكل واضح، غير أن رئيس الوزراء الحالي يحاول خلق نوع من التوازن .
وبالرغم من تعقد المشهد ظاهرياً إلا أنه يوشى بحقيقة غير مسموح معها بالاجتهاد أو التكهنات مفادها أن رئيس الحكومة الجديدة سيكون من حزب الدعوة وتصريحات قيادات الحزب الذى استأثر بالحكم فى العراق منذ عام 2005 تبرهن على صحة ذلك , حيث صرح القيادي في حزب “الدعوة” جاسم محمد جعفر بأن “حزب الدعوة سيحصل على الولاية الخامسة والسادسة ويبقي على حكم العراق إلى يوم القيامة ” .
وبمجرد النظر فى تكتيك حزب الدعوة في هذه الانتخابات،سنلاحظ أن دخول ائتلاف جناح العبادي الانتخابات في محافظة نينوى هو لكسب أصوات السنة في المحافظة، في حين لم يدخل جناح المالكي لعدم قدرته على كسب الأصوات بما يعنى سعيه للحصول على أصوات السنة والشيعة في آن واحد ومن ثم التوحد بعد الانتخابات للاحتفاظ برئاسة الحكومة









اضف تعليق