أكد ولي العهد السعودي الأمير الشاب محمد بن سلمان أمس الثلاثاء أن المملكة بدأت تعود الى كنف “الاسلام الوسطي والمعتدل” والانفتاح على العالم والأديان، مؤكدا أن القيادة الجديدة تعمل للقضاء على “الأفكار المدمرة اليوم”.
وجاءت تصريحات ولي العهد (32 عاما) التي بدت موجهة ضد رجال دين متشددين في المملكة خلال مشاركته في جلسة حوارية ضمن اليوم الأول من منتدى “مبادرة مستقبل الاستثمار” الذي تستضيفه الرياض حتى الخميس.
وتمثل تصريحات الأمير محمد هجوما عنيفا ونادرا من قبل مسؤول سعودي رفيع المستوى على أصحاب الأفكار المتشددة في المملكة المحافظة التي بدأت تشهد في الأشهر الأخيرة بوادر انفتاح اجتماعي في مقدمتها السماح للمرأة بقيادة السيارة.
وقال ولي العهد السعودي “نحن فقط نعود إلى ما كنا عليه، الاسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم وعلى جميع الأديان”، مضيفا “لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا”.
وتابع “سوف نقضي على التطرف في القريب العاجل”، مشيرا إلى أن “الأفكار المدمرة” بدأت تدخل السعودية في العام 1979 في اطار مشروع “صحوة” دينية تزامن مع قيام الثورة الاسلامية في إيران.
وأوضح أن “السعودية لم تكن كذلك قبل 1979. السعودية والمنطقة كلها انتشر فيها مشروع صحوة بعد عام 1979 لأسباب كثيرة فنحن لم نكن بهذا الشكل في هذا السابق”.
وشهدت المملكة السعودية الصيف الماضي توقيف رجال دين بينهم الداعيان البارزان سلمان العودة وعوض القرني من دون أن توضح أسباب اعتقالهم.
ولدى عودة والقرني ملايين المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي. واتهم القرني في السابق بالارتباط بجماعة الإخوان المسلمين التي تصنفها السعودية ودول خليجية أخرى منظمة ارهابية.
بوادر الانفتاح
وتسارعت بوادر الانفتاح الاجتماعي في المملكة منذ بروز دور الأمير محمد في العام 2015 حين كان وليا لولي العهد قبل تعيينه منذ تعيينه في منصبه الحالي وليا للعهد في يونيو/حزيران.
وفي 2016، أعلن الأمير محمد عن “رؤية 2030” وهي خطة اقتصادية شاملة وطموحة تقوم على تنويع الاقتصاد المرتهن للنفط.
وتركز الخطة على قطاعي السياحة والترفيه وعلى تفعيل دور المرأة في الاقتصاد وتطوير قطاعات أخرى من خارج القطاع النفطي.
وقررت السعودية في خطوة تاريخية مؤخرا السماح للمرأة بقيادة السيارة بدء من يونيو/حزيران 2018، وألمحت إلى إمكانية السماح بإعادة فتح دور السينما قريبا، كما أعادت بعض الحفلات الغنائية إلى دور الموسيقى في الرياض وعلى شاشة القناة الرسمية الثقافية.
وتأتي تصريحات الأمير محمد أيضا فيما قطعت المملكة بالفعل أشواطا مهمة على طريق ترسيخ الاسلام الوسطي والمعتدل بأن عززت جهودها واجراءاتها بحملة على دعاة التطرف وبالترخيص للنساء بقيادة السيارة بعد سنوات من الجدل حول هذه المسألة التي يعارضها رجال دين متشددون.
كما أعلنت السعودية عن افتتاح المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف والتي أطلقت عليه تسمية “اعتدال” في القمة الأميركية الاسلامية التي استضافتها الرياض بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة دول العالم الإسلامي.
ويهدف المركز لمكافحة التطرف باعتباره العدو المشترك للعالم، حيث قامت على تأسيسه عدد من الدول واختارت الرياض مقرا له ليكون مرجعا رئيسيا في مكافحة الفكر المتطرف.
والهدف من هذه المبادرة أيضا هو رصد ظاهرة الإرهاب ومسبباتها وانتشارها وتمدد التطرف فكريا وتنظيميا وتحليله في محاولة لفهم هذه الظاهر والعمل على مواجهتها وفق مقاربات فكرية وأمنية والوقاية منها وتعزيز التعاون مع الحكومات والمنظمات لنشر وتعزيز ثقافة الاعتدال.
مقاربة فكرية وأمنية
وتعتمد المملكة العضو بمنظمة أوبك وأكبر مصدر للنفط في العالم على مقاربة فكرية وأمنية في مواجهة التطرف، حيث عززت من اجراءاتها الردعية في التصدي للجماعات التكفيرية وهيأت الأطر القانونية والقضائية لكبح الخطاب الديني المتشدد.
وتشمل المقاربة السعودية أيضا التركز على الجانب الثقافي والتعليمي ومواجهة الجانب الأيديولوجي ومحاولة تغيير أفكار وعقائد وآراء المتأثرين بأفكار كل من القاعدة وتنظيم الدولة الاسلامية و إعداد برامج لإعادة تأهيل العائدين من تلك التنظيمات أو من حاولوا الالتحاق بها لكنهم فشلوا.
هيئة التدقيق
وفي 18 أكتوبر/تشرين الأول قالت وزارة الثقافة والإعلام السعودية إن المملكة ستراقب تفسير أحاديث النبي محمد لكيلا تستخدم في تبرير العنف أو الإرهاب.
وأمر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز في مرسوم بإنشاء هيئة للتدقيق في استخدامات الأحاديث النبوية.
وقالت الوزارة إن هدف الهيئة هو “القضاء على النصوص الكاذبة والمتطرفة وأي نصوص تتعارض مع تعاليم الإسلام وتبرر ارتكاب الجرائم والقتل وأعمال الإرهاب”.
وجاء في المرسوم الملكي أن الهيئة التي تسمى مجمع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود للحديث النبوي الشريف، ستتخذ من المدينة المنورة مقرا لها وسيشرف عليها مجلس من كبار رجال الدين الإسلامي من مختلف أنحاء العالم.
واستخدمت جماعات إسلامية مثل تنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة تفسيرات لأحاديث لتبرير العنف وحث أنصارهما على تنفيذ هجمات.
لكن كبار رجال الدين ينددون بالتفسيرات المتشددة للإسلام مثل التي تتبناها القاعدة والدولة الإسلامية في حين عزلت الحكومة التي تعين الأئمة والوعاظ في مساجد المملكة البالغ عددها 70 ألفا، العديد من رجال الدين لتحريضهم على العنف أو الفتنة.
وكان وزير الخارجية السعودي عادل الجبير قال في تصريحات سابقة إن الآلاف من رجال الدين المتطرفين جرى فصلهم، لكنه لم يقدم إطارا زمنيا.
وبدأت الحكومة دعم رؤية جديدة بشأن الهوية السعودية تبقي على الوهابية كمحور ارتكاز لكنها تسمح بوجود أفكار علمانية مثل القومية والتراث الثقافي التي تسبق ظهور الإسلام.
وقالت الوزارة إن الهيئة ستخدم الإسلام بإقامة “مرجعية أصيلة للحديث النبوي الشريف وعلومه جمعا وتصنيفا وتحقيقا ودراسة”.
ولم تذكر الوزارة أي شكل من أشكال المرجعية ستتبعها الهيئة.
وذكر المرسوم الملكي أن الهيئة سيرأسها الشيخ محمد بن حسن آل الشيخ عضو هيئة كبار العلماء أعلى سلطة دينية في المملكة.
وكانت هيئة كبار العلماء السعودية أكدت الأحد أن خلافها مع جماعة الاخوان المسلمين في “المنهج” قبل أن يكون في “المسائل”، مشيرة إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة والإخوان “خدعوا الناس”.
وقالت الهيئة “البعض يعتقد أن خلافنا مع الإخوان في مسائل محددة ومعدودة، وهذا ليس بصحيح فالخلاف معهم في المنهج قبل أن يكون في المسائل”.
وتابعت الهيئة التي يرأسها مفتي المملكة عبدالعزيز آل الشيخ “الدولة الاسلامية والقاعدة والإخوان امتطوا الإسلام لآرائهم وأهوائهم وخداع الناس”.
وأوضحت أن “الإرهاب هو جريمة تستهدف الإفساد بزعزعة الأمن والجناية على الأنفس والممتلكات الخاصة والعامة”.
واعتمدت السعودية في 2014 قائمة للجماعات الإرهابية تضم الدولة الاسلامية والنصرة والإخوان والحوثيين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب وتنظيم القاعدة في اليمن وتنظيم القاعدة في العراق.









اضف تعليق