لاشك أن العلاقات الأميركية الايرانية باتت تتجه بخطى حثيثة نحو الصدام المحتمل،حيث يحمل الرئيس الاميركي دونالد ترامب على عاتقه مهمة تحجيم النفوذ الايراني في منطقة الشرق الأوسط ،وكتابة شهادة وفاته ،بعد سلسلة من المناورات السياسية بين الطرفين، استمرت لعقود طويلة.
ولكن قبل أن نكشف عن تبعات الانسحاب الاميركي من الاتفاق النووي، وتأثيراته المباشرة على نظام “الملالي” ،لابد أن نستعرض مراحل الصراع بين الجمهورية الاسلامية والولايات المتحدة الاميركية ،وانعاسات ذلك على حرص الاميركان على ازاحة الايرانيين من على الخريطة السياسية للشرق الأوسط.
في البداية لابد أن نؤكد أن العلاقة بين إيران وأميركا شهدت فصولا من التوتر ، وخاصة مع الغزو الاميركي للعراق ، والذي وضع الجمهورية الاسلامية، في حصار دائم بين القوات الأميركية عبر حدودها الشرقية في أفغانستان ،وعبر حدودها الغربية في العراق، مما دفع ايران لاتخاذ تدابير حاسمة،لمواجهة الاطماع الاميركية ذاتها،قبل أن تتعرض لاجتياح عسكري أميركي مثلما حدث في العراق،وكان أهمهذه الاجراءات : تقوية شوكة أصدقاء ايران في العراق،دعم ميليشيات مسلحة، وقوات شيعية مناوئة للوجود الأميركي.
وهو الأمر الذي دفع بعلاقة البلدين في حالة غليان،وخاصة أن تكلفة تواجد أميركا في العراق قد ارتفعت ،بشكل كبير،بسبب الدعم الخفي من ايران لانصارها في الداخل العراقي .
ورغم أن علاقات ايران وأميركا كانت تحكمها مصالح وتوافق سري منذ حكم الشاه حتى الوصول الى تحالف اسقاط “طالبان” ووصولا إلى احتلال العراق ،فإن الملف النووي الايراني، والذي تكشفت تفاصيله مع العام 2002 ،كان الدافع الأكبر لتغير السياسة الاميركية على دولة “الملالي” ،فقد فهم المجتمع الدولي أن إيران تقود المنطقة إلى دمار شامل ، علاوة على مخاوف اميركا من تزايد دعم ايران للمنظمات الارهابية في المنطقة،وحرصها على اثارة القلاقل ،وتصدير الأزمات السياسية.
وبناء عليه انتهجت الولايات المتحدة الأميركية عدة اجراءات رقابية لاجهاض المشروع النووي الايراني ،ابان فترة تولي الرئيس كلينتون ،لكن سياسة المقاطعة الاقتصادية والعزلة السياسية ، لم يكونا كافيين لتقليم اظافر ايران، والحد من طموحها النووي، مما جعل أميركا تلجأ إلى سياسة “الاحتواء” المزدوج في تعاملها مع إيران، من خلال تفعيل اجراءات دبلوماسية مكثفة ، وبصفة دورية في المحافل الدولية، لتقنع الدول بالامتناع عن تزويد إيران ، بأية مواد تساعدها في بناء مشروعها النووي إلا أن هذه السياسة فشلت في أقناع شركائها الاوروبيين واليابانيين ، وخاصة أن كبرى الشركات الاميركية هى من أكبر المشترين للنفط الايراني،فقد أدى هذا التناقض إلى ضعف هذه المساعي ،وعدم جدواها.
وقد تزايدت حدة المواجهة بعد أن وجدت الولايات المتحدة الاميركية في السياسات الايرانية تهديدا لمصالحها ،وحلفائها في الشرق الاوسط، وقد جاء الاتفاق النووي ليضع ايران في قبضة المجتمع الدولي ،ولكن جاء تحايل الايرانيين على الاتفاق وانتهاك بنوده مخيبا لآمال الاميركيين .
فرغم سنوات الحصار والعقوبات الاقتصادية القاسية، انتزعت ايران الاعتراف الدولي، بحقها في تخصيب اليورانيوم بنسبة لاتقل عن5 % وهي النسبة التي تحتاجها ايران لاغراضها السلمية.
وأصبح من الصعب على أي قوة في المنطقة تجاهل إيران النووية، أو الاستمرار في الاستناد إلى عدائها مع الولايات المتحدة، فالوجود الايراني بات متضخما بشكل مقلق،وخاصة على جبهات إقليمية كثيرة، بدءا من دعمها للحوثيين في اليمن، والميليشيات الشيعية في العراق ،وسوري ولبنان ، مما يهدد منظومة الأمن الاقليمي للشرق الاوسط،وهذا في حد ذاته كان دافعا لضروة تحرك سريع ينزع فتيل الاستئساد الايراني.
وقد أدت كل هذه العوامل إلى اتجاه الرئيس الأميركي ترامب، إلى تقويض الاتفاق النووي ،والبدء في الاستعداد لمواجهة صارمة يعيد بها نظام الملالي إلى جحوره ، ويعلن موته اكلينيكيا.
ووقد بدأت ساعة الصفر الاميركية من خلال اتخاذ الولايات المتحدة عقوبات صارمة، مثل تصويت مجلس الشيوخ الاميركي على حظر بيع الطائرات لايران ، والسعي للخروج من أسر الاتفاق ، واذا سارت الأمور على نفس الوتيرة، فإن حكومة “روحاني” ستجد نفسها في مأزق ،يفقدها الامتيازات التي كانت تحققها مع هذا الاتفاق، الذي تعتبره واحدا من انجازاتها.
ومن ناحية أخرى تهدف الولايلات المتحدة إلى انتهاج استراتيجية شاملة في مواجهة إيران ، بالتعاون مع وكالة الطاقة الذرية ، لاخضاع نظام الملالي للتفتيش الدوري على كل المنشآت النووية،بشكل اجباري ،سعيا لاسقاط نظام “الملالي”، وقطع أوصاله، والقضاء على مشروعه النووي ،وكبح جماح صواريخه الباليستية، وهى ترتيبات تم الاتفاق على انجازها ،ليأخذ الصراع الاميركي – الايراني منحنى صاعد، لايمكن أن يتنبأ أحد بتبعات تتطوره .
لكن من السهل توضيح اهداف سياسة ترامب تجاه الملف الايراني، وأهمها اعادة التفاوض حول البرنامج النووي الايراني، لاضافة بنود جديدة ،ومنها ضرورة أن يتضمن الاتفاق القدرات العسكرية الايرانية وخاصة القدرات الصاروخية، وكذلك أن تكون الولايات المتحدة أحد المستفيدين من الاتفاق بحيث تبرم طهران العديد من الصفقات التجارية والاقتصادية مع واشنطن.
كما أن الهدف من سحب الاتفاق هو الضغط على إيران وانتزاع تنازلات منها ،بشأن دورها الإقليمي المتنامي، للوصول لخارطة سياسية في الشرق الأوسط كما يتصورها ترامب.
وهناك هدف آخر هو دفع ايران الى الخروج من الاتفاق النووي والغائه، و بلورة اجماع دولي ضدها.
من جانبها فإن طهران لن تقف مكتوفة اليدين أمام تحركات ادارة ترامب، بل ستقوم بتنشيط دبلوماسيتها لاحباط التحركات الأميركية ضدها،لكن العاصفة الاميركية لن تنتظر عبور نظام الملالي لازماته ،وانما ستطيح به ايذانا بنهايته .









اضف تعليق