حالة من الضبابية كشفت عنها ردود الأفعال المتواترة عقب زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لسلطنة عمان الأسبوع الماضي ,حيث تؤشر جملة معطيات الواقع السياسي إلى أن حملة الانتقادات التي طالت السلطنة واعتبار ذلك خطوة خليجية نحو التطبيع ,غير مبررة على الإطلاق ,لاسيما وأن تجاهل حقيقة وجود إسرائيل وأنها صارت جزءاً من الشرق الأوسط يعكس نوعاً من الاستغراق المتزايد وربما الإصرار على دفن رؤؤسنا بالرمال بشكل يجافى مفردات الحالة الجيوسياسية بالمنطقة .
فعلى الرغم من التعقيدات المحيطة بمستقبل المنطقة غير أن هذا لا ينفى أن وجود إسرائيل إلى جانب لاعبين آخرين بالشرق الأوسط صار أمراً واقعاً يستوجب منا إيجاد صيغة ملائمة للتعاطي معه , فلن نفارق الحقيقة إذا أما اعترفنا بوجود أطراف فاعلة أخرى مثل تركيا وإيران تستوجب منا البحث عن بدائل منطقية عوضاً عن الانخراط فى صراع لا متناهي لن يؤتى ثماره حتى على المدى البعيد .
الخطو ة الأولى لتحريك المياه الراكدة فى محيط العلاقات العربية مع قوى الأمر الواقع -إن صح التعبير – تتطلب فتح قنوات التفاوض,على كافة الأصعدة ,والتى يمكن من خلالها خلق حوار بناء يساعد فى التوصل إلى تفاهمات من شأنها رسم خارطة جديدة للتوازن الإقليمي وذلك عبر تشكيل مراكز قوى عربية منفتحة على مختلف الأطراف الفاعلة بما فيها تركيا وإيران , إذ أن إشكالية المسار العربي تتمثل فى شعورنا الدائم بالاختراق و عدم قدرتنا على استحداث نظرة استراتيجية عميقة تتواءم مع مستجدات الحراك وتضفى مزيداً من الاستقرار على الواقع المهترىء.
من هنا يبرز دور سلطنة عمان والسلطان قابوس والذي تحظى تحركاته , بلا شك , بمصداقية وقبول من جميع الأطراف , لاسيما وأن دور عمان الدبلوماسي كوسيط في المنطقة يتيح لها إعادة رسم مسارات جديدة من شأنها إيجاد بعض الصيغ أو التفاهمات حول القضايا العالقة وتعزيز العلاقات بين دول المنطقة .
إذ أن وطأة الضغوط التى يعانى منها الجميع لا تتطلب بصيرة يوسف, فهى ساطعة على رؤوس الأشهاد , فإيران مرتبكة و تئن تحت نيران العقوبات وتشهد حالة من التململ الداخلي على خلفية انهيار الاقتصاد والذى قد يفضى إلى سقوط النظام برمته فضلاً عن أن تركيا ترزح تحت كابوس عجز ضخم في الحساب الجاري وفجوة تمويلية.
بإيجاز شديد , الأمر يستوجب منا أن نتطلع بمزيد من الواقعية السياسية على ما يجرى بالعالم من حولنا علنا نستطيع إيجاد سبل توافقية وتسويات ملائمة ,ولنا فى مجموعة دول بحر قزوين أسوة حسنة , فقد تمكنت الدول المتشاطئة للبحر على اختلاف أيدلوجياتها من التوصل إلى تفاهمات تاريخية فيما بينها تضمن عدم وجود قوى غير إقليمية على محيطه ، كما تدعو إلى زيادة التعاون المنهجي في مكافحة الإرهاب وتوسيع عمل إدارات الحدود , بينما نحن لا نزال ننازع الواقع بحثاً عن حلول ,ونمعن في التدخل في شئون بعضنا البعض , عوضاً عن تركيز كل منا فى استراتيجته وأجندته الخاصة .
ولأن رؤية العقل هي مجال اليقين لتطويع الواقع , فعلينا أن نطبق هذا النهج مع كل دول العالم لاسيما وأن من مصلحة العرب مد جسور التواصل مع مختلف القوى الإقليمية والدولية وليس المقاطعة , كما أن من مصلحة إيران إعادة النظر في سياستها تجاه دول المنطقة والالتزام بمبدأ حسن الجوار .
على هذا النحو ,لا يمكن اختزال الدور العماني في أنه خطوة على مسار التطبيع الخليجي مع إسرائيل لكن الرسائل هنا أعمق ولها دلالات أيدلوجية أشمل لا تتعلق بـ”تل أبيب ” , فحسب , بل تمتد إلى طهران وتتضمن وضع النظام الإيراني أمام خيارين , إما تعديل سلوكه والتفاوض للوصول إلى تسوية أو أن يستمر على نفس النهج العدائي والذي لن يجلب سوى المزيد من تعقيد الأوضاع .
وقد برهنت مستجدات الأحداث خلال الأسابيع الماضية أن الحوار هو الخيار الأبسط من كافة الأشكال المعقدة وأن سبيل التفاهم يظل محموداً عن تدخلات تفرضها قوى خارجية , لذا يتعين على المسئولين في الدول العربية أن يوجهوا جل أنظارهم إلى الداخل بغية إرساء أسس الأمن والاستقرار اللازمة لخلق مناخ التنمية الاقتصادية والمجتمعية .
إذن لامناص من أجواء حوار التوافق في محوره السياسي,فإيران ذاتها, أعياها الصراع وبدأ يتسلل إلي النظام شعور بضرورة التغيير ,فضلاً عن أن تركيا وإسرائيل أدركتا أن تكلفة الاختراق صارت باهظة , وأن التحديات التي يمر بها الإقليم اليوم تؤكد الحاجة القوية للحوار . لذا قد تبدو التربة شبه مهيأة لاستقبال تلك التحولات النوعية مع الوضع في الاعتبار أهمية إرساء قواعد التفاهم من منطلق القوة عبر توحيد الجهود العربية بشكل يرمي إلى تعزيز الجبهة الداخلية لكل دولة ويحقق متطلبات السياسة الخارجية والمصير المشترك.
وعلى الرغم من الصورة التشاؤمية المتعلقة بتحقيق التوازن بين القوى الفاعلة في معادلة النظام الإقليمي لكن تظل التحركات العمانية رقماً مهما بمرحلةً تحول العلاقات ووضعها في مسارها الصحيح لاسيما مع ارتباط السلطنة بأطراف المعادلة وفق محددات تؤهل لوساطة عمانية فاعله إقليميا ودولياً









اضف تعليق