الرئيسية » الرأي » يجب أن تنضم إيران ودول الخليج إلى معاهدة سيميپالاتينسك
الرأي • رئيسى

يجب أن تنضم إيران ودول الخليج إلى معاهدة سيميپالاتينسك

 

هل فقدت كازاخستان نفوذها واستقرارها الداخلي عندما تخلّت طواعية عن رابع أكبر ترسانة نووية في العالم؟ الإجابة، وبكل وضوح، هي: لا.

فقد ورثت أستانا أكثر من 1400 رأس نووي استراتيجي، إلى جانب مواد نووية أخرى، عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. لكنها تخلّت لاحقًا عن وضعها كدولة نووية عسكريًا، وانضمت إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بوصفها دولة غير حائزة للأسلحة النووية، كما نقلت جميع الرؤوس النووية المتبقية إلى روسيا.

واليوم، تواصل أستانا الاضطلاع بدور حاسم في بناء التعاون لمواجهة التحديات الأمنية الإقليمية والعالمية، وتدعم الدبلوماسية الإقليمية والحوار المستدام لتجنب التصعيد غير الضروري.

وشهد هذا الأسبوع الذكرى العشرين لمعاهدة سيميپالاتينسك، وهي اتفاقية ملزمة قانونيًا تحظر تصنيع الأسلحة النووية أو حيازتها أو اختبارها أو امتلاكها في أنحاء آسيا الوسطى. وتضم قائمة الدول الموقعة عليها كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان.

وتحمل المعاهدة اسم موقع التجارب النووية في كازاخستان، الذي عرّض ما يُقدّر بنحو 1.5 مليون شخص للتساقط الإشعاعي، وخلّف آثارًا ممتدة على الصحة العامة والبيئة. وهي بذلك تقدم تذكيرًا قاسيًا بالعواقب المدمرة للأسلحة النووية.

وبمناسبة هذه الذكرى، نظمت البعثة الدائمة لكازاخستان لدى الأمم المتحدة، بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، منتدى خاصًا، وأصدرت دراسة مهمة حول المناطق الخالية من الأسلحة النووية، يمكن أن تسهم توصياتها في تعزيز الاستقرار، ليس في آسيا الوسطى وحدها، وإنما في مناطق أبعد من ذلك بكثير.

وإذا تأملنا الجغرافيا التي تربط منطقة الخليج والشرق الأوسط الأوسع بآسيا الوسطى، فلن يكون من الصعب تصور كيف يمكن لهذه المناطق أن تتحول إلى قوة اقتصادية كبرى في مجالات الطاقة والخدمات اللوجستية والأمن الغذائي والتنمية الصناعية والتجارة والسياحة. لكننا إذا دققنا النظر في الخريطة، سنجد أن العقبة القائمة أمام تحقيق هذا التصور تتمثل في القيادة الإيرانية واستراتيجياتها العدائية تجاه حدودها الغربية. فوجود إيران صديقة، لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، من شأنه أن يخلق جسرًا واسعًا من الفرص بين المنطقتين.

وعلى الرغم من خلاف دبلوماسي حديث بشأن التراث الثقافي، دفع أوزبكستان إلى استدعاء السفير الإيراني على خلفية تصريحات تتعلق بمعلم ريجستان الأثري، فإن طهران لا تزال تحتفظ بعلاقات دبلوماسية واقتصادية إيجابية مع دول آسيا الوسطى، بما في ذلك أفغانستان.

فالنظام الإيراني يقدم نفسه، من خلال سياساته في الشرق الأوسط، باعتباره مدافعًا عن الشيعة، لكنه في الوقت نفسه يفتح أبوابه أمام حركة طالبان. وقد تأكد ذلك من خلال الزيارات التي شهدتها كابول هذا الشهر، والتي شملت وزير الطاقة الإيراني وعددًا من أعضاء البرلمان و180 رجل أعمال، وذلك خلال أسبوع واحد فقط. فضلًا عن الإعلان عن اتفاقيات بين البلدين تتجاوز قيمتها 400 مليون دولار.

وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا لا ترغب إيران في بناء علاقات إيجابية مع محيطها في الشرق الأوسط؟ وما الذي يمكن فعله لتغيير هذا المسار؟

أعتقد أن دول آسيا الوسطى، التي أثبتت قدرتها على تحقيق توازن ناجح بين نفوذ كل من الصين وروسيا والولايات المتحدة، تستطيع، بل يقع على عاتقها واجب، أن تؤدي دورًا في محاولة تغيير الموقف الإيراني تجاه الشرق الأوسط، باعتبار أن ذلك يمثل مفتاحًا لتحقيق استقرار أوسع للجميع.

لقد أثبتت دول الخليج انفتاحها على إقامة علاقات إيجابية مع إيران، لكن يتعين على طهران التخلي عن برنامجها النووي العسكري، ووقف تدخلاتها في شؤون الدول الأخرى.

هناك إمكانات هائلة لمستقبل مشرق يجري إهدارها. فدول آسيا الوسطى والخليج تمتلك مجتمعة موارد طبيعية وفيرة، وإمكانات زراعية كبيرة، وطرقًا استراتيجية، ورؤوس أموال، وموانئ عالمية المستوى، وبنية تحتية متطورة للخدمات اللوجستية، فضلًا عن سكان شباب يمتلكون الطموح للمساهمة في تنويع اقتصادات بلدانهم. وبإمكان هذه الدول، إذا عملت معًا، بناء أسواق تمتد من شرق آسيا إلى أوروبا وأفريقيا.

وقد طرح الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف نقطة مهمة في أبريل الماضي، عندما دعا، خلال مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، إلى ضبط النفس الاستراتيجي والتوصل إلى حل دبلوماسي للصراع المتصاعد المرتبط بإيران ودول الخليج.

وشدد توكاييف على ضرورة أن «نتصرف بمسؤولية أكبر ونلتزم بضبط النفس»، مؤكدًا في الوقت نفسه تضامن كازاخستان مع دول الخليج، وداعيًا جميع الأطراف إلى وقف الأعمال العدائية.

وفي معرض حديثه عن التداعيات الأوسع للصراع الإقليمي، أشار إلى عواقبه الاقتصادية والاضطرابات التي تهدد حركة التجارة البحرية، ولا سيما في محيط مضيق هرمز. لكنه أكد أن المفاوضات المتعلقة بإيران ينبغي أن تتناول القضايا الأمنية الجوهرية المطروحة، والتي يتجسد أحد أبرز وجوهها في انتشار الأسلحة النووية.

كما سلط توكاييف الضوء على ضرورة تعزيز الدبلوماسية الوقائية لتجنب اندلاع مزيد من الصراعات الإقليمية والعالمية. ومن بين الآليات الإيجابية التي يمكن أن تحقق ذلك، توسيع نطاق معاهدة سيميپالاتينسك غربًا، بحيث تشمل إيران ودول الخليج والشرق الأوسط الأوسع. وهي مبادرة يمكن أن تنطلق من دولة تحظى بالثقة، ومن منطقة تستفيد من إقامة علاقات إيجابية مع جميع الأطراف المعنية.

والأهم من ذلك، أن هذه المبادرة تتيح للدول تعزيز قدرتها على إدارة شؤونها وتحديد مصيرها بنفسها. فهي لن تكون مبادرة تقودها أطراف دولية من الخارج، بل مشروعًا تصنعه شعوب المنطقة وتتولى قيادته. ويمكن لهذه الدول، مجتمعة، أن تقنع إيران بتغيير نهجها الحالي تجاه المنطقة.

ولذلك، ينبغي النظر إلى هذه الخطوة باعتبارها مدخلًا لتحسين الحوار. فبعد توسيع نطاق معاهدة سيميپالاتينسك، ستكون الخطوة التالية هي إطلاق محادثات إقليمية تضم إيران ودول الخليج والشرق الأوسط الأوسع، بهدف وضع ضمانات أمنية مشتركة، وإرساء مشاورات دبلوماسية منتظمة، وتطوير آليات لمنع الأزمات واحتوائها.

والهدف هو تجاوز قضية عدم انتشار الأسلحة النووية، وصولًا إلى بناء منظومة أمن إقليمي شاملة تمنح دول الشرق الأوسط قدرة أكبر على المشاركة في صياغة مستقبلها، وتأسيس اقتصادات أكثر قوة بما يخدم مصالح مواطنيها.

وفي مقدمة ذلك، أن تنطلق هذه العملية من دول المنطقة نفسها، وأن تتولى قيادتها، مع قيام كازاخستان بدور الوسيط الموثوق، مستندة إلى خبرتها في معاهدة سيميپالاتينسك وعلاقاتها الدبلوماسية الممتدة مع مختلف الأطراف في المنطقة.