الرئيسية » رئيسى » السباق نحو القمر هل سيؤدي إلى نشوب صراعات في الفضاء؟
تقارير ودراسات رئيسى

السباق نحو القمر هل سيؤدي إلى نشوب صراعات في الفضاء؟

منذ القرن الخامس عشر، وبفضل التقدم في أدوات الملاحة وبناء السفن ورسم الخرائط، تمكنت القوى الأوروبية من استكشاف طرق بحرية جديدة والسيطرة على أراضٍ ما وراء البحار. وقد تبعت بريطانيا وفرنسا وهولندا البرتغالَ وإسبانيا، وكان الهدف الأساسي آنذاك هو البحث عن طرق جديدة للتجارة مع آسيا.

سرعان ما أصبح العالم رقعة شطرنج، حيث جرى تجاهل السكان المحليين. فقد بدأت القوى الاستعمارية دائمًا بحمى السيطرة على الأراضي وضمّها قبل أن يفعل أي منافس آخر. ولا شك أن جزءًا أساسيًا من قرون الحروب اللاحقة بين هذه القوى الأوروبية كان مرتبطًا بالمراكز التجارية ومن يملك السيطرة على البحار.

اليوم، يمكن أن نسأل ما إذا كنّا نشهد فجر وضع تاريخي وجيوسياسي مشابه، ولكن هذه المرة يتعلق بالفضاء، وبشكل أدق بالقمر.

هناك العديد من أوجه الشبه بين الحقبتين. فالتكنولوجيات الجديدة — مع امتلاك الدول اليوم قدرات أفضل وأسرع للوصول إلى الفضاء — تعود لتكون الدافع الأساسي. كما أن التركيز على الاكتشاف والاستكشاف في الفضاء يشبه تمامًا ما كان عليه الأمر في البحار. ومن بين الأهداف الرئيسية للدول اليوم إنشاء مستوطنات على القمر. ومع تزايد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، هناك سباق لمعرفة من سيحقق هذا الهدف أولًا. ولا يمكننا إلا أن نقارن ذلك بتوسعات القوى الأوروبية في الماضي. فهل سيُفضي السباق نحو القمر إلى خلق صراعات في الفضاء؟

مع تزايد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، هناك سباق لمعرفة من سيتمكن من استعمار القمر أولًا

خالد أبو ظهر
يرتبط هذا بشكل واضح بما إذا كانت هناك مزايا عسكرية استراتيجية. فالنقطة الأساسية هي أن وجود مستوطنة على القمر سيمنح أفضلية كبيرة في ما يتعلق بمراقبة الفضاء، بالإضافة إلى توفير بنية تحتية اتصالية أكثر صلابة. أما على المستوى الهجومي، فأي أفضلية عسكرية لعمليات مثل إطلاق الصواريخ تبقى غير مثبتة بسبب ديناميكيات المدار.

نقطة مهمة أخرى هي ما إذا كانت هناك موارد يمكن استخراجها. فهناك مؤشرات مبكرة على وجود معادن ونظائر نادرة مثل الهيليوم-3 على القمر، لكن استخدامها سيكون — في الوقت الحالي — في الموقع نفسه وليس للتجارة مع الأرض. ومع سيطرة الأقمار الصناعية على الاستخدامين التجاري والعسكري، نفهم أن القمر يمثل أفضلية استراتيجية رئيسية.

وبموجب معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، لا يمكن لأي دولة أن تدّعي ملكية القمر؛ إذ تبقى كل دولة مسؤولة عن شعبها ومركباتها وقواعدها دون امتلاك الأرض نفسها. لكن من الواضح أن المناطق القطبية للقمر، وخاصة القطب الجنوبي، هي المواقع المثالية لإقامة قواعد، وهذا يرفع مستوى التنافس.

ومع ذلك، وكما يُقال دائمًا، الفضاء صعب وهذا خطر طويل المدى. لكن بفضل القفزات التكنولوجية، تحدث التحولات بسرعة وتظهر فرص وتحديات جديدة. فماذا سيحدث إذا كانت دولتان في سباق متقارب جدًّا لإنشاء قاعدة على القمر، وكلتاهما ترغب في الموقع نفسه؟ هل قد يؤدي ذلك إلى حرب عالمية؟ في الوقت الراهن، يبدو هذا غير وارد بسبب نقص الإمكانات، لكن لا أحد يعرف ما الذي قد يحدث في المستقبل مع اشتداد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين.

كلا البلدين يمتلكان برامج طموحة للقمر. فالصين تهدف إلى إنشاء وجود مستدام على سطحه. وهي تقوم اليوم باستكشافات روبوتية في مهام مثل “تشانغ-6” في عام 2024، التي جمعت عينات. وتوجد مهام أخرى مخطط لها، تركز دائمًا على جمع العينات، واستكشاف القطب الجنوبي، والبحث عن الموارد، وخاصة الجليد.

المناطق القطبية للقمر، وخاصة القطب الجنوبي، هي المواقع المثالية لإقامة قواعد وهذا يرفع مستوى التنافس

خالد أبو ظهر
وعلى المدى الطويل، تخطط بكين لعمليات هبوط مأهولة في ثلاثينيات هذا القرن، بهدف نهائي يتمثل في إنشاء محطة أبحاث قرب القطب الجنوبي. كل هذا يدخل ضمن الاستراتيجية الفضائية الأوسع للصين، التي تسعى لتعزيز قدراتها وتطوير تقنيات جديدة وتأمين موقع استراتيجي في ما يتعلق بموارد القمر ولوجستياته.

وفي الوقت نفسه، تسعى الولايات المتحدة للعودة إلى القمر من خلال برنامج “أرتيميس” التابع لوكالة ناسا. وتهدف كذلك إلى إنزال رواد فضاء قرب القطب الجنوبي للقمر. وقد استمرت أول مهمة أرتيميس في نوفمبر 2022 لمدة 25 يومًا، وشملت إطلاق مركبة غير مأهولة دارت حول القمر قبل أن تعود إلى الغلاف الجوي للأرض. وتأمل مهمة “أرتيميس 2” في إرسال رواد فضاء في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر بحلول عام 2026.

تشمل أهداف البرنامج بناء محطة “لونار غيتواي” المدارية وتطوير مساكن سطحية للمهام طويلة الأمد. وتعتمد الاستراتيجية الأمريكية على تعزيز التعاون الدولي، إذ انضمت 60 دولة حتى الآن إلى اتفاقيات أرتيميس، التي تعزز الاستكشاف السلمي والشفاف والمستدام للقمر.

والحقيقة أن إنشاء وجود طويل الأمد على القمر سيتطلب أكثر من مجرد مساكن فارغة. فالكثير من التقنيات الجديدة يجب تطويره إذا كان الطريق إلى القمر سيصبح مفيدًا كما كانت الطرق البحرية سابقًا، بما في ذلك البنية التحتية اللازمة للحياة البشرية هناك. وسيكون إنتاج الطاقة — عبر الشمس والنووي — عنصرًا أساسيًا، إلى جانب التخزين والتوزيع، وكل ذلك في بيئة قاسية للغاية. وسيتعين تصميم الأنظمة لتتحمل درجات حرارة قصوى وإشعاعات وغير ذلك. ومن هنا، فإن المنافسة الحقيقية الأولى، قبل أي ادعاء بالسيادة على القمر (بحسب تعريفك لها)، لن تكون بين الدول، بل بين الإنسانية والبيئة نفسها.

ومثلما كان الحال في سباق الفضاء خلال الحرب الباردة، فإن جزءًا كبيرًا منه سيكون حول إظهار القوة والنفوذ. فأول دولة تؤسس وجودًا على القمر ستعلن تفوقًا تكنولوجيًا وتكسب مزية جيوسياسية. وهناك خطر كبير أن يؤدي أي وجود طويل الأمد إلى تحطيم معاهدة الفضاء الخارجي، خاصة إذا تَحققت أفضلية استراتيجية طويلة الأمد.

للأسف، ورغم الدعوات الصادقة لعدم تصوير الفضاء والقمر على أنهما سباق للسيطرة على أراضٍ جديدة، أعتقد أن الطبيعة البشرية ستجعل الجغرافيا السياسية والسياسة الفضائية تتقاطعان. وقد تكون المفاجأة الأكبر، بمجرد إنشاء مستعمرات، ليست حروب الفضاء، بل ربما سعي سكان القمر أو المريخ للاستقلال، لتتكرر صفحات التاريخ من جديد، ولكن هذه المرة في الفضاء.