دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة أصبح فيها البقاء على النظام السياسي ليس مجرد مسألة نظرية، بل قلقاً ملموساً وواضحاً لدى النخب الحاكمة. الانهيار المفاجئ للنظام السوري العام الماضي شكّل نقطة تحول نفسية للأنظمة الاستبدادية التي طالما اعتُبرت صامدة. سقوط بشار الأسد لم يكن حدثاً سورياً فحسب؛ بل أرسل موجة صدمة إلى كل العواصم المبنية على الإكراه والمحسوبية والحماية الخارجية. ولم تُستوعب هذه الدروس بشكل أعمق من طهران.
بالتوازي، غيّرت الحملة العسكرية الإسرائيلية المستمرة ضد حزب الله والضربات المباشرة داخل الأراضي الإيرانية التوازن الإقليمي للردع بشكل جذري. لعقود، اعتمدت إيران على شبكة من الوكلاء كدرع وسيف في الوقت نفسه، لتوسيع نفوذها مع الحفاظ على الإنكار الممكن. هذا الهيكل قد فشل بشكل واضح. حزب الله، الذي كان يُصوَّر يوماً كقوة لا تمس، قد تدهور. ووكلاء آخرون ثبت عدم قدرتهم أو عدم رغبتهم في الرد بشكل مؤثر. الرسالة كانت واضحة: العمق الاستراتيجي لإيران لم يعد مضموناً.
على الصعيد الداخلي، الوضع أكثر هشاشة. فقد اندلعت احتجاجات في جميع أنحاء إيران بمقياس واستمرارية وانتشار جغرافي يميزها عن موجات الاضطرابات السابقة. هذه التظاهرات لا يقودها غضب واحد، بل تعب متراكم: انهيار اقتصادي، عزلة دولية، قمع اجتماعي، وانفصال عميق بين الأجيال الحاكمة والمحكومين. يسيطر النظام على أدوات العنف، لكن السيطرة لم تعد تعني الثقة.
ويحدث هذا الضغط الداخلي في ظل خلفية عالمية تزيد من قلق القيادة في طهران. فقد فُسرت العملية الأمريكية الأخيرة التي أسرت نيكولاس مادورو ونفذت ضربات في فنزويلا في طهران على أنها ليست مجرد حدث في أمريكا اللاتينية، بل إشارة استراتيجية. إنها تعزز فكرة أن واشنطن، تحت ضغوط متجددة وخطاب متشدد، مستعدة للتحرك بحسم ضد الأنظمة التي كانت تعتبر محمية بالمسافة أو التحالفات أو مصالح النفط. التهديدات المتجددة لدونالد ترامب، الصريحة والشخصية، زادت من حدة هذا الانطباع.
النتيجة التراكمية هي شعور عميق بالهشاشة في أعلى مستويات النظام الإيراني. يُفيد بأن كبار المسؤولين في الأجهزة السياسية والعسكرية والأمنية يعيدون تقييم مستقبلهم. على عكس الأزمات السابقة، الأمر لا يتعلق فقط بتحمل العقوبات أو قمع المعارضة؛ بل بإمكانية الانهيار المفاجئ. والسابق السوري يلوح في الأفق. فقد افترضت الدائرة المقربة من الأسد الثبات حتى الأيام الأخيرة، لتجد المخارج مغلقة والحلفاء يحسبون مصالحهم الخاصة.
اليوم، تستعد النخبة الحاكمة في إيران بهدوء لسيناريوهات كانت تُعد مستحيلة سابقاً. تقارير عن خطط طوارئ، ونقل أصول، واستفسارات سرية حول طلب اللجوء تعكس نظاماً لم يعد متأكداً من استمراريته. روسيا والصين تظهران كوجهتين أساسيتين للاهتمام، ليس انطلاقاً من الانتماء الأيديولوجي، بل من الضرورة. كلاهما يوفر حماية سياسية، ومخاطر محدودة لتسليم المطلوبين، وغموضاً استراتيجياً. ومع ذلك، تبقى هذه الخيارات غير مضمونة. لقد أظهرت موسكو في سوريا أن الولاء له حدود، وأن بكين تعطي الأولوية للاستقرار والمصالح الاقتصادية على الضمانات الشخصية.
ما يميز هذه اللحظة ليس حدثاً واحداً، بل تقاطع عدة إخفاقات: ضعف الردع العسكري، انكشاف الوكلاء، تآكل الشرعية الشعبية، وتراجع التسامح الدولي. تواجه القيادة الإيرانية الآن نفس السؤال الذي راود دمشق قبل سقوطها: كم يمكن للنظام أن يبقى عندما يحل الخوف محل السلطة ويستعد الحلفاء لواقع ما بعد النظام؟
تشير التاريخ إلى أن الأنظمة نادراً ما تنهار عندما تبدو ضعيفة، بل تنهار عندما تتصدع الثقة داخل صفوفها. في إيران، لم يعد هذا التصدع افتراضياً. إنه يشكل القرارات، والتحركات، ومسارات الهروب. سواء نجح النظام في اجتياز هذا الفصل أم لا، هناك حقيقة واضحة: عصر اليقين الاستراتيجي في طهران قد انتهى.
تنويه حول الذكاء الاصطناعي: تم الاستعانة بأجزاء من هذا المقال بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي









اضف تعليق