عندما نتناول قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «يونيفيل»، كثيرًا ما نغفل القرار الذي أنشأها وحدد مهمتها في جنوب لبنان. ومع اقتراب انتهاء ولايتها، يتصاعد الخلاف بين من يدعون إلى تمديد مهمتها، ومن يدفعون نحو مسار مختلف. فقد منح قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 التفويض الذي تستند إليه القوة الدولية. وكان الهدف من القرار، الصادر عقب حرب عام 2006، استعادة سيادة لبنان على كامل جنوبه، في مواجهة كل من إسرائيل وحزب الله. غير أن هذا الهدف لم يتحقق.
كان من المفترض أن يضمن الجيش اللبناني وقوات «يونيفيل» خلو المنطقة الممتدة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني من العناصر المسلحة والأسلحة والبنية التحتية العسكرية، باستثناء ما يتبع الجيش والقوة الدولية. وكان ذلك يعني نزع سلاح حزب الله، بما يتيح إنهاء الأعمال العدائية وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية. وعندئذ، كان بإمكان لبنان إرساء بيئة أمنية مستقرة تحول دون عمل حزب الله أو أي جماعة مسلحة أخرى خارج سلطة الدولة. وكان الهدف النهائي ينبغي أن يتمثل في التوصل إلى سلام دائم على طول الحدود.
من الواضح أن هذا لم يحدث. فما زال حزب الله راسخًا في جنوب البلاد، ولا يزال يشكل تهديدًا للدولة اللبنانية. وخلال السنوات العشرين التي أعقبت صدور القرار، شهد جنوب لبنان موجات عدة من التصعيد، في أعوام 2010 و2015 و2019، ثم في عام 2020، أعقبتها مواجهات 2023-2024 التي تصاعدت إلى حرب واسعة النطاق. أما عامَا 2025 و2026، فقد شهدا استمرار الضربات وتجدد المواجهات العسكرية على نطاق واسع. وربما شهدت المنطقة أحداثًا أخرى، لكن هذه المحطات تظل من أبرز ما رسخ في الذاكرة.
وللأسف، لم تتمكن «يونيفيل» من تغيير المعادلة في جنوب لبنان. فقد احتفظ حزب الله بقدراته العسكرية وبنيته التحتية جنوب نهر الليطاني، ما حال دون فرض الجيش احتكار الدولة للسلاح والأمن بصورة كاملة. واستمر هذا الوضع رغم قرار الحكومة اللبنانية عام 2025 تنفيذ خطة لنزع سلاح حزب الله وإخضاع المنطقة لسيطرة الجيش الكاملة، ورغم الآلية التي رعتها الولايات المتحدة مؤخرًا لبسط السيطرة على مناطق تجريبية. واقتصر دور «يونيفيل» على مراقبة الانتهاكات والإبلاغ عنها، إذ افتقرت إلى القدرة، وربما إلى التفويض، اللازمين لفرض الامتثال الكامل للقرار.
فماذا سيحدث عندما تنتهي ولاية «يونيفيل» في نهاية العام الجاري، تمهيدًا لانسحابها في عام 2027؟ في ضوء المشهد برمته، هل موقف لبنان وفرنسا الداعي إلى تمديد مهمتها صائب، تجنبًا لحدوث فراغ أمني؟ أم ينبغي استثمار الانسحاب بوصفه فرصة لتوسيع انتشار الجيش وبسط سيطرته الكاملة على الأراضي اللبنانية؟ وألا يجدر بنا أن نتساءل عن الأثر الفعلي لانسحاب القوة الدولية، بعدما عجزت عن تحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها؟ لقد أظهرت الاشتباكات الأخيرة أنه ما دام حزب الله يستأثر بقرار الحرب والسلم في لبنان، ويحتفظ ببنيته العسكرية، فلن يتغير شيء.
وأتساءل كذلك عن الهدف من المقترح الذي أبدته عشر دول أوروبية على الأقل، بشأن المساهمة في بعثة مستقبلية تركز على دعم الجيش اللبناني. فإذا كانت الدولة اللبنانية تفتقر إلى القدرة أو الإرادة اللازمتين لنزع سلاح حزب الله أو بسط سيطرتها على جنوب البلاد، فكيف يمكن تغيير هذا الواقع؟ لقد قدمت الولايات المتحدة ودول أخرى مليارات الدولارات دعمًا للجيش اللبناني، ومع ذلك ظل الوضع على حاله.
واقترح الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ثلاثة خيارات لإنشاء بعثات أصغر حجمًا تخلف «يونيفيل»، يتراوح قوامها بين نحو 1980 و5525 فردًا، وتتمثل مهامها في مراقبة الخط الأزرق، ودعم جهود خفض التصعيد، ومساندة الجيش اللبناني. ورغم عدم اتخاذ قرار نهائي حتى الآن، ينبغي أن يكون الهدف هو توحيد الجهود ضمن رؤية تضمن دعم بسط الدولة اللبنانية سيطرتها الفعلية على أراضيها.
ويشبّه البعض هذه المعضلة بسؤال الدجاجة والبيضة: هل تنسحب إسرائيل أولًا، ثم ينزع حزب الله سلاحه، أم يحدث العكس؟ إذا عدنا إلى القرار 1701، نجد أن نزع سلاح حزب الله كان أحد محاوره الأساسية. كما دعا قرار مجلس الأمن رقم 1559 الصادر عام 2004 إلى انسحاب القوات السورية وتفكيك حزب الله. وينبغي للدولة اللبنانية وحلفائها التركيز على سبل استعادة لبنان سيادته ونزع سلاح حزب الله وجميع الجماعات المسلحة الأخرى، في الجنوب وفي سائر أنحاء البلاد. فهذا هو السبيل الوحيد لتمهيد الطريق أمام سلام واستقرار طويلَي الأمد في لبنان.
لقد فقد اللبنانيون السيطرة على الجنوب لصالح حزب الله وإيران، اللذين فقدا بدورهما هذه السيطرة لصالح إسرائيل، وفق طرح الكاتب، نتيجة خطط النظام الإيراني التوسعية الرامية إلى فرض هيمنته. وقد يكون تنفيذ ذلك أسهل قولًا من فعل، غير أن الدولة اللبنانية تحتاج إلى حشد دعم الشعب اللبناني لاستثمار انتهاء ولاية «يونيفيل» في فرض واقع جديد في الجنوب.









اضف تعليق