نادراً ما يمنح التاريخ الدول فرصتين استراتيجيتين في اللحظة نفسها، لكن المملكة العربية السعودية تجد نفسها اليوم أمام فرصة مزدوجة قد تعيد رسم موقعها الاقتصادي والسياسي لعقود مقبلة.
فبعد الإعلان عن اتفاق للتعاون النووي المدني بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن التنفيذ الكامل للاتفاق سيكون مرتبطاً بانضمام المملكة إلى اتفاقيات أبراهام. وسواء ظل هذا الربط جزءاً من الصيغة النهائية أو تغير خلال المفاوضات، فإنه نقل النقاش من مجرد اتفاق تقني إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل المنطقة وتوازناتها.
غير أن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: أيهما أولى، الطاقة النووية أم السلام الإقليمي؟ بل كيف يمكن للمملكة أن توظف الفرصتين معاً لخدمة مصالحها الاستراتيجية، انطلاقاً من رؤيتها الوطنية، لا استجابةً لضغوط أي طرف.
أما الـ«نعم» الأولى، فهي ترتبط بمستقبل الاقتصاد السعودي.
فرؤية 2030 تستهدف بناء اقتصاد أكثر تنوعاً يعتمد على الصناعة والتكنولوجيا والابتكار، وهي أهداف تتطلب إمدادات كهرباء مستقرة وموثوقة على مدار الساعة. وستظل الطاقة المتجددة ركناً أساسياً في هذا التحول، إلا أن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وحدهما لا تكفيان لتلبية احتياجات الصناعات الثقيلة، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، ومحطات تحلية المياه، وغيرها من القطاعات التي تمثل اقتصاد المستقبل.
ومن هنا، تصبح الطاقة النووية المدنية جزءاً من البنية التحتية الاستراتيجية، لا مجرد مشروع في قطاع الطاقة. فهي تتيح للمملكة توجيه جزء أكبر من إنتاج النفط والغاز إلى التصدير بدلاً من الاستهلاك المحلي، وتعزز أمن الطاقة، وتدعم جهود خفض الانبعاثات، وتوفر مصدراً مستقراً للكهرباء تحتاج إليه الاقتصادات الحديثة.
أما الـ«نعم» الثانية، فتتعلق بمستقبل الإقليم.
فالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تنازلاً سياسياً، وإنما خياراً استراتيجياً يخضع لحسابات المصالح الوطنية السعودية. فالشرق الأوسط يشهد تحولات متسارعة، وأصبحت المنافسة بين دوله تُقاس بقدرتها على جذب الاستثمارات، واحتضان التكنولوجيا، وبناء اقتصادات قادرة على المنافسة عالمياً، أكثر مما تُقاس بصراعات الماضي.
ولا يعني تطبيع العلاقات مع إسرائيل بالضرورة التخلي عن الموقف السعودي التاريخي الداعم للقضية الفلسطينية، بل قد يمنح الرياض مساحة أوسع للتأثير في أي مسار سياسي مستقبلي، إلى جانب فتح مجالات للتعاون في التكنولوجيا، وإدارة المياه، والرعاية الصحية، والأمن السيبراني، والزراعة، والسياحة، والاستثمار.
فالسلام لا يزيل الخلافات من الوجود، لكنه يحولها من ساحات الصراع إلى طاولات التفاوض، ويمنح الاقتصاد فرصة للنمو، والشعوب فرصة للازدهار.
وقد أثبتت المملكة مراراً أن قراراتها الاستراتيجية تنطلق من مصالحها الوطنية. وإذا اتخذت قراراً بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، فمن الطبيعي أن يكون ذلك انطلاقاً من قناعتها بما يحققه لها من مكاسب، لا استجابةً لأي اشتراطات خارجية.
وفي المقابل، يعزز القراران أحدهما الآخر. فبرنامج نووي مدني بالتعاون مع الولايات المتحدة يربط المملكة بإحدى أكثر المنظومات التكنولوجية تقدماً في العالم، بينما يسهم توسيع دائرة السلام الإقليمي في خفض المخاطر الجيوسياسية، وتعزيز ثقة المستثمرين، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً للمشروعات الكبرى.
وقد يرى البعض أن التوقيت لا يزال محل نقاش، غير أن التاريخ كثيراً ما كافأ الدول التي بادرت إلى صناعة التحولات بدلاً من انتظار اكتمال الظروف المثالية.
ومن المرجح، إذا نُفذت هذه الخيارات بالشروط التي تحقق المصالح السعودية، أن تنعكس آثارها على المواطن عبر فرص عمل نوعية، وبنية تحتية أكثر تطوراً، وأمن طاقة أكبر، واستثمارات أوسع، واقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.
لقد أمضت المملكة العقد الماضي في إعادة تعريف اقتصادها ومكانتها الإقليمية من خلال رؤية 2030، واليوم تقف أمام قرارين قد يمنحان هذه الرؤية بعداً استراتيجياً أوسع. فالطاقة النووية المدنية توفر أدوات القوة الاقتصادية، فيما يفتح السلام الإقليمي آفاقاً جديدة للاستثمار والتكنولوجيا والاستقرار.
وفي النهاية، لا تُقاس مكانة الدول بقدرتها على التكيف مع المستقبل فحسب، بل بقدرتها على صناعته عندما تحين لحظة القرار.إذا كان المقال موجهاً للنشر في صحيفة أو مجلة، فأرى أن هذا العنوان هو الأقوى لأنه يجذب القارئ دون أن يفقد وضوح الموقف: “السعودية أمام لحظة القرار: لماذا نعم للطاقة النووية… ونعم لاتفاقيات أبراهام؟”









اضف تعليق