قبل بضعة أسابيع، انتشر في لبنان وخارجه مقطع فيديو للرئيس الأميركي دونالد ترامب يقول فيه إنه يريد “جعل لبنان عظيماً من جديد”. ولا شك أن كثيراً من اللبنانيين يشعرون بأنه، وللمرة الأولى، يوجد رئيس أميركي في البيت الأبيض يرى لبنان ويفهمه. في الغالب، تأتي تصريحات وإجراءات الإدارة الأميركية الحالية خالية من ذلك الأسلوب الملتبس الذي اعتاد عليه السياسيون الغربيون عند التعامل مع فكرة أن حزب الله جزء من المشهد السياسي.
يبدو أن دعم هذه الإدارة للبنان حقيقي، غير أن هذا الدعم مشروط. ففي حين يُعد الدفع نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل خطوة إلى الأمام، يتعين على القيادة اللبنانية أن تدرك أنها لن تحصل على أي دعم أميركي في مثل هذه المفاوضات دون استكمال خطة نزع سلاح حزب الله. أي إن واشنطن لن تستخدم ثقلها للتأثير على إسرائيل لقبول اتفاق يدعم بعض المطالب اللبنانية ما لم يتم تفكيك الحزب. وهذا ليس مجرد مطلب أميركي، بل هو في جوهره مطلب لبناني أيضاً.
ماذا يعني ذلك؟ كما بات واضحاً، لن تكون هناك قوات خارجية للمساعدة في نزع سلاح حزب الله، فهذا الخيار غير مطروح. والأهم أن الجيش اللبناني نفسه قد يفقد الدعم الأميركي إذا لم ينفذ خطة الحكومة.
المشرّعون الأميركيون بدأ صبرهم ينفد تجاه الوعود المتكررة من الجيش بنزع سلاح الحزب. فقد دعا أعضاء في الكونغرس، مثل السيناتور روجر ويكر وجيم ريش وليندسي غراهام، إلى وقف المساعدات العسكرية للبنان، أو على الأقل ربطها بإجراءات فورية. كما تتصاعد الانتقادات العلنية للجيش اللبناني وقيادته.
كثيرون يذهبون إلى حد القول إن حزب الله متغلغل داخل الجيش، ما يجعل المساعدات الأميركية استخداماً سيئاً لأموال دافعي الضرائب. وقد قدمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار كمساعدات عسكرية وأمنية للجيش اللبناني منذ عام 2006، مع استمرار حزم سنوية إضافية حتى عام 2025.
هذه المساعدات قُدمت على أساس أن دعم الجيش اللبناني سيواجه نفوذ حزب الله، لكن ذلك لم يتحقق. ورغم أن هذا الدعم ربما ساعد على حفظ قدر من الاستقرار، فإنه لم يغيّر ميزان القوى. وما أحدث تحولاً فعلياً ودفع القيادة اللبنانية إلى انتقاد الحزب واتخاذ قرار بنزع سلاحه، كان الضربات الإسرائيلية والدمار الناتج عنها. ومع ذلك، لن يواجه الجيش حزب الله مباشرة لتنفيذ هذه الخطة، ما يطرح سؤالاً حاسماً: ماذا بعد؟
في الواقع، لن يصدر النظام في إيران أمراً لحزب الله بالتخلي عن سلاحه ما لم يحصل على مكاسب إقليمية، وهو احتمال ضعيف للغاية. وفي المقابل، تستمر المواجهات على الجبهة اللبنانية رغم مسارات التهدئة، حيث تتواصل الغارات الإسرائيلية وضربات الحزب بالطائرات المسيّرة دون مؤشرات على التراجع، فيما تكتفي القيادة السياسية بالإدانة دون قدرة على التغيير.
المعركة الحقيقية، إذن، تدور في الداخل: من يستطيع تحمّل الكلفة أكثر؟ وأي الطرفين سيصمد أطول: الدولة اللبنانية أم حزب الله؟ وعلى المستوى التكتيكي، يبدو الحزب — رغم ضعفه — في موقع أكثر تماسكاً من الحكومة. غير أنه، ما لم يتم نزع السلاح، لن يتغير شيء.
وهنا تظهر المعضلة الأساسية: كيف يمكن التفاوض على السلام دون امتلاك قرار الحرب والسلم؟ وكيف يمكن للرئيس جوزيف عون أن يضمن تنفيذ أي اتفاق؟ عملياً، سيجد نفسه مضطراً إلى الاتفاق مع إسرائيل أولاً، ثم التوصل إلى تفاهم مع حزب الله، أي توقيع ما يوافق عليه الحزب.
هذه الديناميكيات تذكّر بتجارب سابقة مع منظمة التحرير الفلسطينية وحماس، ونعرف كيف انتهت. فالمشكلة لا تتعلق فقط بوجود حزب مسلح، بل بأن القرار النهائي للحرب ليس بيده أيضاً، بل في طهران. فكيف يمكن ضمان تنفيذ أي هدنة في ظل هذه المعادلة؟ ببساطة، لا يمكن.
طالما يحتفظ حزب الله بسلاحه، فإن لبنان لا يملك سيادة القرار في أي اتفاق يوقعه. وهذا يتضح أكثر مع إعلان الحزب رفضه لمسار التفاوض المباشر، ما يعني أن أي اتفاق لن يكون ملزماً له، بل للدولة وحدها، التي ستتحمل كلفة أي خروقات.
ومن هنا، إذا كان ثمة نصيحة يمكن توجيهها إلى عون، في ظل الحديث عن احتمال لقاء مع بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، فهي ألا يقدم على هذه الخطوة ما لم يكن قادراً على نزع سلاح حزب الله. فالمصافحة بلا قدرة على التنفيذ قد تكلف لبنان الكثير، سياسياً واستراتيجياً.
في النهاية، تبقى الأولوية واضحة: نزع سلاح حزب الله ليس تفصيلاً في المشهد، بل هو الشرط الذي تتوقف عليه إمكانية أي اتفاق، وأي استقرار، وأي معنى للدولة نفسها.
الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى









اضف تعليق