الرئيسية » تقارير ودراسات » خيارات متواضعة ..ماذا بعد إسقاط الطائرة الروسية ؟
تقارير ودراسات رئيسى

خيارات متواضعة ..ماذا بعد إسقاط الطائرة الروسية ؟

لايزال حادث إسقاط الطائرة الروسية يلقى بظلاله على المشهد السياسي المتأزم فى سوريا , فبينما عكف رئيس الوزراء على بحث تداعيات  الموقف في ضوء زيارة قائد القوات الجوية الإسرائيلية، الجنرال، عميكام نوركين، الذي وصل إلى تل أبيب، عائدا من موسكو, نفى المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ، صحة ما نقلته وسائل إعلام عبرية عن وزير الاستخبارات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس.من أن  بوتين يشعر بالغضب تجاه الأسد على خلفية الحادث

ورقة الدفاع الأولى التي قدمها الجانب الإسرائيلي تمثلت فى الترويج بأنها “خطوة استفزازية مُتعمّدة” من جانب دمشق بهدف عرقلة التعاون الروسي- الإسرائيلي  حيث  حمّل نتنياهو النظام السوري المسؤولية عن إسقاط الطائرة الروسية، وأشار مسئول  عسكري إسرائيلي  إلى أن تل أبيب قدمت  لموسكو برهاناً على أنها غير مسئولة عن إسقاط الطائرة الروسية في سوريا وأضاف المسئول أثبتنا كيف أن النيران السورية الهوجاء المضادة للطائرات كانت السبب المباشر في إصابة الطائرة الروسية.مشيراً  إلى أن قوات النظام فتحت النار بشكل أهوج وغير مسؤول ويفتقر للاحترافية، بعد وقت طويل من اختفاء طائراتنا من المكان.

وعلى الرغم من قول بوتين إن الحادث نجم على ما يبدو عن سلسلة صدف مأساوية ولا يجب مقارنته بإسقاط تركيا مقاتلة روسية من طراز “سو-24” في نوفمبر 2015. غير أن التسريبات من وسائل الإعلام الإسرائيلية  تكشف عن مخاوف تل أبيب  من أن تسفر الحادثة عن عواقب وخيمة على مسارات العلاقة بين البلدين لاسيما وان وزارة الدفاع الروسية حمّلت الطائرات الإسرائيلية المسؤولية الكاملة،عن الحادثة التى اسفرت عن مقتل 15 عسكريا وذلك  لأنها أخفت نفسها خلف الطائرة الروسية، لتجنب نيران الدفاعات السورية.

 

 

تحذبر بوتين والذي توعد خلاله  باتخاذ تدابير مضادة لتوفير أمن إضافي للمنشآت العسكرية الروسية داخل سوريا، مؤكدًا: “سنتخذ إجراءات هامة على مرأى ومسمع من الجميع”. يؤشر إلى أن الرئيس الروسي قد يقدم على تنفيذ عزمه والذى سبق وأعلنه بشأن تزويد الجيش السوري بمنظومة دفاع جوية حديثة “إس-300″،ويعتقد خبراء  أن روسيا بحاجة إلى إعادة تدريب قوات الدفاع الجوي السوري بشكل كامل وإصلاح نظام إدارتها، وإلا فسيكون توريد أسلحة جديدة أمرًا غير مُجدٍ ولكن الخطر من يكمن فى أنه حال عزّزت موسكو قوات الدفاع الجوي السورية ستستغل إيران هذه النقطة وتعزز دفاعاتها من خلالها حضورها في سوريا الأمر الذى سوف  يؤدي إلى تكثيف الهجمات الإسرائيلية على المواقع الإيرانية داخل سوريا. خاصة إذ ما تطابقت تصريحات القيادة العسكرية الروسية التي تفيد بإسقاط الطائرة الروسية بواسطة المقاتلات الإسرائيلية، فمن غير الممكن استبعاد فرضية تزويد سوريا بمنظومة “إس-300” الروسية.

ولعل هذا ما يقلق إسرائيل حالياً لذلك سيعمل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على إقناع موسكو بعدم تنفيذ تهديدها رداً على إسقاط الطائرة الروسية وستحاول الضغط باتجاه عدم  تسليم دمشق  منظومة إس-300 المتطورة أو صواريخ مطورة لمنظومة إس 200 الموجودة حالياً لدى الجيش السوري لاسيما وأن ذلك سوف يؤثر بشكل كبير على قدرات إسرائيل بالعمل بحرية في الأجواء السورية ضد أهداف عسكرية سورية أو إيرانية فضلاً عن أن إيران ستستغل أي تهدئة في الجو من جانب إسرائيل لنقل الأسلحة لحزب الله ولتعزيز قبضتها العسكرية في سورية. وامتنعت روسيا  في السابق عن تسليم السوريين منظومة إس-300 بعد تمكن نتنياهو بمساعدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من إقناع القيادة الروسية بعدم القيام بهذه الخطوة.

القلق الإسرائيلي امتد إلى وسائل الإعلام هناك حيث أشار محللون إلى أن العلاقات بين موسكو وتل أبيب  في سورية تغيّرت بعد إسقاط الطائرة الروسية و  مؤكدين أنها دخلت مرحلة التوتر وعدم الثقة وأن إسرائيل ستدفع حتمًا ثمن المأساة الروسية وقال محلل صحيفة “هآرتس” العبرية للشؤون العسكرية، عاموس هارئيل، إن “إسرائيل تورطت مع الروس، ومن المحتمل أن يؤثر ذلك سلبًا على حرية العمل الاستراتيجي الذي مارسته بارتياح حتى اليوم في الجبهة الشمالية”. فى حين تناول المحلل العسكري في صحيفة ” يديعوت أحرونوت”  اليكس فيشمان الحادثة بتقرير أسماه ” ثمن الفشل”.وكتب فيشمان “لا يمكن اعتبار أي عملية عسكرية ، مهما كانت محكمة ، تنتهي بأزمة دبلوماسية لا داعي لها مع قوة عظمى ، بأنها ناجحة. حتى لو تحققت الأهداف العسكرية، فهي فاشلة ، لأن الشرق الأوسط ليس وجبة غداء مجانية: اسرائيل ستدفع أكثر لحقيقة أن الروس قد فقدوا طائرة تجسس الإلكترونية كان على متنها 15 من ضباط وخبراء المخابرات وطاقم الطائرة”.وأضاف: “صحيح، إن الروس لن ينتقموا صباح الغد بتنفيذ عملية ضد قواعد سلاح الجو ، على النحو المقترح من قبل لجنة الدفاع في البرلمان الروسي، ولن يتم إسقاط الطائرات الإسرائيلية من قبل أنظمة روسية مضادة للطائرات في سوريا ، ولكن سيكون مطلوب من إسرائيل الآن أكثر من أي وقت مضى ملائمة سلوكها في الأراضي السورية مع المصالح الروسية هناك”.

الخيارات الروسية للرد على الواقعة تبدو متواضعة لكنها بذات ال إذ من المرجح أن تفرض روسيا قيودا أشد صرامة على حرية الأنشطة الإسرائيلية في الأجواء السورية كذلك من المحتمل أن تعمل موسكو على إغلاق مناطق جوية في سورية وفرض حظر جوي على الطيران الإسرائيلي في المناطق القريبة من قواعدها العسكرية والبحرية ، حيث تقع المعسكرات الروسية أو أن يتخذ التنسيق بينهما سياقات أكثر دقة تقضي بإبلاغ إسرائيلي مسبق يتضمن مزيدا من الوقت قبل شن الهجمات الجوية، لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لتجنب حوادث مماثلة.

احترام موسكو للمخاوف الإسرائيلية من التواجد العسكري الإيراني أسفر عن تنفيذ الجيش الإسرائيلي أكثر من 200 ضربة جوية على أهداف إيرانية في سوريا منذ بداية عام 2017. وحتى الآن . وركزت الغارات، وفق إسرائيل، على قوافل إمدادات ومواقع إنتاج وتطوير أسلحة ومستودعاتها، وهي تحتوي على أسلحة متطورة وصواريخ بعيدة المدى مخصصة لنقلها إلى “حزب الله” في لبنان.كما أفضت هذه التفاهمات أفضت إلى سحب القوات الإيرانية والقوات الحليفة لها إلى عمق 80 كيلومترا داخل الأراضي السورية، بعيدا عن الحدود في جنوب غربي سوريا.و شهدت العلاقات تنسيقاً، وترتيباً بين البلدين بدا للمجتمع الدولي على أنه تعاون إيجابي روسي مؤيد لإسرائيل؛ إلى حد سماح الإدارة الروسية للقوات الإسرائيلية بقصف أهداف إيرانية عبر مجال تواجدها الدولي في سوريا.وهو ما وصفته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» بأنه كان بمثابة «الضوء الأخضر» للقصف الإسرائيلي الذي جاء في الأول من يونيو/حزيران من العام الحالي 2018، مما  يؤكد أن الأمور بين البلدين قد تكون أكثر ترابطاً من فقدانها؛ حتى وإن بدت اهتزازاً لهيبة التواجد العسكري الروسي في المنطقة.

حادثة الطائرة الروسية تضع العلاقة بين موسكو وتل أبيب قيد اختبار جديد ,وبالعودة إلى الماضي، سوف نكتشف أن العلاقات بين البلدين  شهدت أحياناً ما هو أعنف من التسبُّب في إسقاط الطائرة، وظلت لفترة طويلة، وتحديداً في فترة الاتحاد السوفييتي، تتراوح بين توترٍ واحتقان لكن منذ عام 2000 وبالتزامن مع صعود بوتين  تطورت لتصل حد التعاون الشامل في أغلب المجالات

واستمرت العلاقة على هذا المنوال حتى عام 2006، عندما عثرت إسرائيل على أدلة تفيد امتلاك حزب الله اللبناني أنظمة مضادة للدبابات من طراز Kornet-E وMetis-M وRPG-29 الروسية، والتي تسببت في تكبيد القوات الإسرائيلية خسائر كبيرة. واتُّهمت روسيا بأنها تمد حزب الله بالأسلحة، لكنها ردت بأنها باعت الأسلحة لسوريا، التي قامت بإرسالها إلى حزب الله.كانت إسرائيل تعلم أن ما قالته روسيا صحيح، لكن ذلك لم يمنع توتر العلاقات بين البلدين، وهو توتر تفاقم عام 2007، بسبب تقارير عن صفقات أسلحة جديدة محتملة بين روسيا وسوريا، أتبعها اغتيال الصحافي الروسي إيفان سافرونوف، الذي قال إنه يمتلك أدلة على نية بلاده بيع أنظمة حديثة مضادة للطائرات، وطائرات مقاتلة طراز ميج 29، وصواريخ إسكندر أرض جو إلى سوريا وإيران عبر روسيا البيضاء.

تعاطى بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع حادثة إسقاط الطائرة عكس عمق الشراكة بين الجانبين لاسيما مع حرص نتنياهو على تجاوز الأزمة ومحاولة  بوتين الموازنة بين موقفه ومواقف أخرى لمسئولين روس حاولوا رفع مستوى التوتر لذلك على الأغلب لن تقدم روسيا على أي خطوة تصعيدية تجاه إسرائيل وليس متوقعا إحداث تغيير جوهري في “قواعد الاشتباك” الإسرائيلية فوق سورية وعليها بل قد تتطور العلاقات  نحو مزيد من التنسيق .. إنها “سياسة الضرورة”