لهجة تصعيديه وصلت حد نزع الشرعية, تبنتها حماس بالتزامن مع خطاب الرئيس محمود عباس فى الأمم المتحدة , والذي يبدو أنه شكل عقبة جديدة تضاف إلى سجل الضغوط التي تواجهها الحركة في غزة.
فبعد ساعات قليلة من انتهائه تزايدت حدة التلاسن الإعلامي بين الجانبين والذي بلغ حد وصف أبو مازن بأنه ” مغتصب” السلطة و “منتحل” صفة الرئيس، فتح من جانبها لم تفوت فرصة التنكيل بحماس واعتبرت أنها تمثل “الطابور الخامس” وتشارك إسرائيل والولايات المتحدة في “العدوان الثلاثي” عليه.
صحيح أن التهديد الأكثر وضوحًا في خطاب أبو مازن في الأمم المتحدة كان موجهًا ضد حماس حيث قال الرئيس محمود عباس, بلسان عربي مبين ,في خطابه في الدورة 73 للجمعية العامة للأمم للمتحدة،:”لا سلام مع دولة مزعومة في غزة”، مؤكدًا مواصلة الجهود من أجل إنهاء الانقسام الفلسطيني، وتحقيق المصالحة”.وأضاف عباس:”إما أن تنفذ حماس الاتفاقات الموقعة بالكامل، أو تكون خارج أي اتفاقات، ولن نتحمل أية مسؤولية”.
لكن نزعات حماس للتصعيد مع ” فتح” استبقت الخطاب , فبينما كان أبو مازن يلقى خطابه في الأمم المتحدة عقدت الحركة اجتماعاً لأعضائها في المجلس التشريعي الفلسطيني، وشنت حملة اعتقالات واسعة استهدفت قيادات فتح بقطاع غزة في خطوة لا يمكن تفسيرها سوى أنها محاولة لتأكيد سيطرتها الكاملة على القطاع . ومع انتهاء اجتماعات المجلس الوطني صرح أحمد بحر، نائب رئيس المجلس التشريعي؛ أنّ “الرئيس عباس لا يمثل الشعب الفلسطيني، وأنّه يخطب في الأمم المتحدة دون شرعية، وعلى السلطة الفلسطينية إلغاء “أوسلو”، وسحب الاعتراف بإسرائيل، ووقف التنسيق الأمني معها”.و أضاف أن “محمود عباس يعتلي منبر الأمم المتحدة من دون أي شرعية قانونية أو دستورية أو وطنية ولا يمثل شعبنا، وإنما يمثل نفسه فقط”
رعونة ” حماس ” السياسية والتي تمثلت في نزع الشرعية عن الرئيس عباس، باعتباره الهدف الذي أعلنته الحركة ليس ناجماً عن تجاهل أبو مازن في خطابه لمسيرات العودة وكسر الحصار وتضحيات غزة على ,حد وصف قادة الحركة, لكن يمكن قراءته في ضوء تطورات ملف المصالحة والمأزق الذي تواجهه حماس والتي لجأت لخيار التصعيد خلال الأسبوعين الماضيين كمحاولة لجذب الأنظار وحمل الوسطاء على الجلوس مجدداً على طاولة مفاوضات جديدة لاسيما بعد أن أوقفتها مصر بسبب اعتراض أبو مازن عليها ورفضه مشاركة فتح بها وتهديده بتصعيد الإجراءات ضد حماس والتي قد تتضمن الوقف الكامل للدعم المالي للحركة إذا ما ذهبت إلى اتفاق أحادي الجانب مع إسرائيل وكان الرئيس محمود عباس قد أصر على توقيع اتفاق مصالحة يسبق التهدئة، باعتبار أن منظمة التحرير هي الجهة الوحيدة المخولة بتوقيع اتفاق مع إسرائيل وليس أي فصيل آخر.
وصول ورقة المصالحة إلى طريق مسدود عقب رفض حماس الاقتراحات المتعلقة بتسليم قطاع غزة للسلطة وما ترتب عليه من تأجيل البت فى جميع القضايا محل الخلاف جعل حماس تتطلع إلى أن يدفع تجدد التصعيد الميداني والذي قد يشكل ضغطاً متزيداً على مصر وإسرائيل ,إلى تمرير ورقة تهدئة أحادية دون أن يتخذ أبو مازن أي قرارات جديدة ضد غزة.
الخيارات أمام حركة حماس تبدو محدود للغاية , , إذ أن تلويح عباس بفرض عقوبات جديدة على القطاع فى ظل استمرار تعنت حماس ورفضها للشروط التي وضعتها فتح لإتمام المصالحة لاسيما مع الركود الذي شاب ملف التهدئة ، فضلاً عن تعنت الجانب الإسرائيلي إزاء بعض الشروط المطروحة، وضع الحركة في مأزق ولا سبيل للخروج منه سوى أربع فرضيات , الأولى تتمثل بتقديم المزيد من التنازلات لتحسين الأوضاع في غزة و البحث عن عوامل مشتركة لتهدئة الأجواء مع ” فتح” عوضاً عن المشاحنات العنترية والتي قد تفقدها فرصة تحقيق مكاسب على الأرض.
الطرح الثاني ينحصر في الصبر على الحصار ومواصلة التلويح بورقة مسيرات العودة التي باتت ضعيفة الآن ولا يمكن لها وحدها أن تعمل على فك الحصار أو أن تحدثا فارقاً كبيراً بالمشهد أو القضية الفلسطينية ربما تكون قد حققت , في السابق , بعض غاياتها على الصعيد الداخلي إذ عمدت الحركة من خلالها إلى قلب الطاولة و تحويل غضب وانتقادات الشارع الغزاوى ضدها باتجاه إسرائيل لكنها قد تعجل هذه المرة من دخول غزة إلى مربع العزلة وإخراجها من معادلة استقرار القطاع .
وفى حين يدور الخيار الثالث والمستبعد حول إمكانية تخليها عن السلاح وبهذا قد تصبح غزة سنغافورة كما لوَّح بذلك ليبرمان أكثر من مرة, يذهب الفرض الرابع والأرجح إلى احتمالات التصعيد مجدداً ضد الجانب الإسرائيلي . فحماس ترغب في إدارة مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل تحت النار، ووضعها تحت ضغط مستمر وخلق وضع “اللا تهدئة واللا حرب” والتلويح بتهديد بتصعيد شامل واستئناف إرهاب الحرائق.
تل أبيب تدرك ,بدورها , دوافع حماس من توتير الأوضاع وأنه محاولة للضغط على كافة الأطراف بغية استئناف جهود الوساطة بمعزل عن ملف المصالحة, وبينما يعتقد الجيش الإسرائيلي أن الحركة ستحاول افتعال صراع محدود مع إسرائيل وليس حربا كبيرة يجزم خبراء بأن هناك عاملين رئيسين قد يجعلان من التصعيد العسكري والذي هو مسألة وقت لا أكثر , الأول هو فشل الورقة المصرية للمصالحة مع فتح ,أما الثاني تفاقم الأزمة الإنسانية والتي ازدادت حدتها عقب قيام الولايات المتحدة بتخفيض المساعدات للسلطة الفلسطينية ووقف تمويلها لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا), وذكرت صحيفة “هآرتس” العبرية، أن حركة حماس تعمل على توتير الحدود بشكل تدريجي ومتعمد بهدف إشعال المنطقة. وقالت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، إن “حماس” استأنفت التصعيد على الحدود لدفع المصريين إلى استئناف جهود الوساطة في مباحثات التهدئة، بمعزل عما يحدث في ملف المصالحة
لكن ثمة اشتباه مشروع وجائز في جنوح حماس نحو التصعيد والذي يمكن إدراجه تحت طائلة الاستجابة للإملاءات الإيرانية وبدرجة أقل التركية , إذ تقع الدولتان تحت طائلة العقوبات الأمريكية ,وفى ظل ارتباط حماس بهما لا يمكن عزل ميول حماس نحو التصعيد عن ضغوط إيرانية وربما تركية , تبعث برسالة “ناعمة”، لواشنطن ومن خلفها تل أبيب، بقدرتهما على إفشال، أو إنجاح، أية ترتيبات مرتبطة بالقضية الفلسطينية.









اضف تعليق