الرئيسية » تقارير ودراسات » لماذا أخفق “اليسار” في تونس رغم فشل الإسلاميين ؟
تقارير ودراسات رئيسى

لماذا أخفق “اليسار” في تونس رغم فشل الإسلاميين ؟

على الرغم من الإرث الطويل لليسار التونسي والذي يعود إلى عشرينات القرن الماضي  وتكوينه عقب ثورة الياسمين ائتلافاً سياسياً في العام 2013 ضمّ أغلب أحزابه تحت مظلة ما يسمى بــ “الجبهة الشعبيّة” غير أنه لم يتمكن من ترسيخ أقدامه بالساحة السياسية ولم ينجح في إقناع التونسيين بوصوله للحكم  رغم الإخفاقات المتعددة للتيارات الإسلامية وفى مقدمتها حركة النهضة .

ثورة الياسمين مثلت بارقة أمل لليسار إذ رفعت من سقف تطلعاته لاسيما وأن مطالبها كانت منسجمة إلى حد بعيد مع شعارات اليساريين وأفكارهم غير أن نتائج الحراك الانتخابي الذي شهدته البلاد فى عام 2011 شكل ضربة قاضية لطموحاته بعد أن منيت بخسارة فادحة ولم تتحصل أحزاب اليسار سوى على ثلاثة مقاعد فقط ضمن المجلس التأسيسي

تشرذم اليسار أسهم فى أفول نجمه بالتجربة الديمقراطية الأولى, وقد استوعبت أحزابه الدرس لذلك أعلنت في 7 أكتوبر 2012 عن تشكيل ائتلاف سياسي موحد عرف باسم الجبهة الشعبيّة , وقد ضمت عند تأسيسها نحو 10 أحزاب هي؛ حزب العمّال، وحزب الوطنيّين الديمقراطيّين الموحّد، وحركة الديمقراطيّين الاشتراكيّين، وحركة البعث، وحزب الطليعة العربي الديمقراطي، وحزب النضال التقدمي، والحزب الوطني الاشتراكي الثوري، ورابطة اليسار العمالي، وحزب تونس الخضراء، والحزب الشعبي للحرية والتقدم، بالإضافة إلى جمعيّاتٍ وأشخاصٍ مستقلّين

موجات الغضب ضد حكم الإسلاميين ممثلاً بحركة النهضة فتحت نافذة أوسع لحضور اليسار والذي لعب دوراً فاعلاً في تحريك الاحتجاجات وتخليص البلاد من سطوة الإسلاميين وحكم الترويكا (فترة حكم حركة النّهضة مع حزبيْ المؤتمر من أجل الجمهوريّة والتكتّل ) في عام 2013 وذلك عبر تجنيد كافة مكونات اليسار في اعتصام الرحيل , الذي أفضى إلى إسقاط حكومة علي العريّض إبان اغتيال الناشطين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. . ونافست الجبهة الشعبية في الاستحقاق النيابي في عام 2014 وتمكنت من حصد نحو 15 مقعداً بالبرلمان  التونسي من إجمالي عدد مقاعده ,البالغ 217. كما ترشح حمّة الهمّامي، الناطق باسم الجبهة للانتخابات الرئاسية .

ولكن  انخراط العائلة اليسارية في التظاهرات الشعبية ضد حكومة الشاهد فى يناير من العام الجارى ,أدى إلى تراجعها بضع خطوات للوراء حيث اتهمت الحكومة اليسار بتأجيج الاحتجاجات ومحاولة جر البلاد إلى الفوضى  والحرب الأهلية وهو ما استثمرته حركة النهضة الإسلامية والتي سرعان ما أصدرت بيان أشارت به إلى انحراف بعض الاحتجاجات وتعمدها التخريب والاعتداء على مؤسسات الدولة وأجهزتها ودانت من خلاله  استغلال بعض الأطراف اليسارية والفوضوية في إشارة إلى الجبهة الشعبية مطالب التونسيين الشرعية والتحريض على الفوضى والتخريب والنهب.

انعكاسات الموقف اليساري الداعم للمحتجين تجلت بوضوح  في نتائج الانتخابات البلدية والتي أجريت فى مايو الماضي إذ لم يحظ اليسار سوى بنسبة ضئيلة من الأصوات بلغت 3.95 بالمائة بما يوازي  259 مقعداً. فعلى الرغم من الحضور القوي للخطاب اليساري في الحياة السياسية,مؤخراً , عقب تردى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية , غير أن نتائج الانتخابات بدت كما لو كانت إجراءاً عقابياً على تعبئة الشارع ضد الحكومة . وقد أصدرت الجبهة بياناً أكدت فيه عدم رضاها عن تلك النتائج وأنها لا تعكس حجم حضور اليسار على الصعيد الشعبي .

ومن دون الخوض في كواليس الانتخابات الأخيرة غير أن انخراط اليسار في مساندة التظاهرات لا يعد مبرراً كافياً لتراجعه لاسيما مع فوز المستقلين بأغلبية المقاعد البلدية رغم  افتقارهم للدعم المادي والإعلامي فى حين أخفق المكون اليساري  في معظم المحطات منذ اندلاع الثورة ولم يفلح في استقطاب شريحة واسعة من الناخبين

المكون اليساري على الرغم من كونه متقدماً في تونس مقارنة ببعض الدول العربية  حيث يضرب بجذوره في أعماق التاريخ حتى عشرينيات القرن الماضي , غير أن طوال تلك السنوات لم تتمكن من صياغة مشروع بديل للحكم فى تونس لذلك لا تبدو بديلاً مناسباً للحزب الحاكم أو حتى للتيار الإسلامي حال استمرت على نفس النهج . فقد اختزل اليسار مساره السياسي في الشكل الاحتجاجي المعارض للسلطة على اختلاف برامجها وتياراتها وفشل فى إعداد برنامج يمكنه من الوول للشعب ومن ثم الحكم محافظاً على سمته النخبوي.

إذ عادة ما يفسر اليسار إخفاقاته المتعددة بنقص الوعي السياسي ومحدودية الثقافة لدى غالبية التونسيين  مما يجعلهم غير قادرين على فهم الإيديولوجية اليسارية .وفعلياً , يمتلك قطاع عريض من التونسيين فهماً ملتبساً وضبابياً حول اليسار إذ تقترن أيديولوجياته في أذهان البعض بمعاداة الدين ولا تزال تلك النظرة سائدة حتى اليوم  . وفى ظل تبنيه خطابات شعبوية جامدة أبعد ما يكون عن تطلعات المواطن فضلاً عن احتكاره للحالة الثورية, زادت الهوة بينه وبين جموع الشعب التونسي, رغم أنه شريك رئيس من خلال قادته ورموزه بالنضال , ولم تتمكن أحزابه من تسجيل حضور واسع بالساحة السياسية التونسية ولعل هذا ما يفسر ضعف نتائجه الانتخابية  علاوة على أن مرشحه البارز في الانتخابات الرئاسية لم يتمكن من العبور للدور الثاني. علاوة على انخراط العائلة اليسارية التونسية في حسابات سياسية ضيّقة لا تعبّر بالنهاية عن التوجه العام لأدبياتها بقدر ما هي إرضاء لما تريد العامة.

انفراط عقد التوافق بين النهضة وحزب نداء تونس قد يؤدى إلى موجة ارتدادية لليسار , حيث دعا حزب نداء تونس, أمس ,  إلى مشاورات سياسية بين القوى الديمقراطية لتشكيل حكومة جديدة لا تشارك فيها حركة النهضة الإسلامية. ويأتي إعلان الحزب العلماني الذي يتشارك مع النهضة في حكومة ائتلافية بعد خطاب الغنوشي الأخير، وبعد إعلان الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، قبل نحو شهر “انتهاء التوافق” مع الحركة الإسلامية. ووصف البيان التصريحات الأخيرة لرئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، بالخطيرة، معتبراً أنّها “تصريحات تكشف أن هذه الحركة لم تبتعد عن طبيعتها غير المدنيّة ومحاولاتها وضع يدها على مفاصل الدولة، والسعي إلى تغيير إرادة الناخبين؛ عبر فرضها شروط التعديل الوزاري المقبل

الاحتقان الأيدلوجي ببين النهضة ونداء تونس نجم عن اشتراط زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي على رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، تقديم موعد الانتخابات، حتى تسحب مساندتها لحكومة يوسف الشاهد، فى المقابل طالب السبسى الغنوشى  أن يتخلّى عن دعم رئيس الحكومة حتى يفرض إرادته السياسية ويضمن أغلبية برلمانية لتفعيل صلاحياته وفق الفصل 99 من الدستور, ومع إخفاق الجانبين فى التوصل إلى صيغة ملائمة أعلن الباجي قائد السبسي أنه قطع علاقته مع حركة النهضة قائلا “لست أنا من أعلنت القطيعة.. قلت لهم تصحبكم السلامة” ملمحاً إلى الثمن الباهظ الذي دفعه “نداء تونس ” نظير التوافق مع النهضة وإلى  تحدي الغنوشى  للاستقرار الحكومي ولإرادة رئيس الدولة الذي نصح في وقت سابق رئيس الحكومة بالاستقالة.

فاتورة التحالف مع النهضة سددها ” نداء تونس ” بامتياز إذ أن التوافق الذي خطف أنظار العالم في باريس من عام 2013 على الرغم من أنه كان ضرورة ملحة ,حينذاك , في ظل حالة الاحتراب السياسي والتي كادت تعصف بالبلاد غير أنه كان بمثابة انتحار سياسي لحزب نداء تونس لاسيما وأن الأخير تبنى أيدلوجية علمانية على النقيض من حركة النهضة ذات التوجهات الإسلامية مما أفقد نداء تونس الكثير من شعبيته في الشارع فضلاً عن حدوث انشقاقات داخله أفضت إلى خروج غالبية قياداته المؤسسة وانخراط العناصر المتبقية في صراعات  استنزفت الحزب وحولته إلى ظلال بلا واقع  وإلى حزب منهزم في الانتخابات البلدية الأخيرة، كما لم يعد قوة مؤثرة في البرلمان أو حتى الحزب الثاني نظراً لحالة التشظي  والتي تفقده كل يوم نائباً من نوابه .

براغماتية النهضة السياسية تمثلت في استفادتها, من حالة الفراغ السياسي ومن النزاعات الأفقية بين الأحزاب والتي على إثرها أضحت الكتلة الأكبر.و السبسي رغم دهائه السياسي أخفق في احتواء الأزمة ولم يستطع تقليم أظافر النهضة على الجانب الآخر نجحت هي في اختراق حزبه  واستخدمت نداء تونس كغطاء علماني فقد كانت الحركة بوصفها نموذجاً للإسلام السياسي في تونس والمرفوض محلياً وإقليمياُ الرابح الأكبر من التحالف مع الحزب ذو التوجهات العلمانية ،والذي أضفى على نشاطها مشروعية، وأعطى انطباعات جدية حول تبنيها لمقولات الدولة المدنية والحرية والديمقراطية،مما أدى إلى ترسّيخ أقدامها في المشهد السياسي ولكن فى ظل بعثرة أوراق نداء تونس اتجهت الحركة التي لا تراهن على الجياد الخسارة إلى ترتيب أوراقها مجدداً وفقا لمقتضيات المرحلة بانتظار يوسف الشاهد “الحليف الجديد ” والذي يمثل المشروع ذو الأغلبية بالوقت الراهن فضلاً عن كونه  يحظى بقبول الدوائر الخارجية .

ومع ذلك ,  يظل الرهان على صعود المكون اليساري مشروطاً بتخطيه لجملة معوقاته الداخلية وتغيير أسالبيه التنظيمية فضلاً عن تقديمه مشروعاً سياسياً واقعياً منفتحاً على باقي مكونات المجتمع وتجاوز الطابع النخبوي في خطاباته الأيدلوجية