دخل الشرق الأوسط مرحلة أكثر تعقيدًا في مسار صراعاته الجيوسياسية، بعدما تجاوزت المواجهات حدود الحروب بالوكالة التي حكمت جانبًا كبيرًا من علاقات القوة في المنطقة خلال العقود الماضية، لتقترب من نمط جديد تتداخل فيه الضربات العسكرية المباشرة مع إعادة ترتيب منظومات الردع والتحالفات الأمنية. وقد أعادت الضربات الأمريكية الأخيرة التي استهدفت مواقع عسكرية إيرانية في جزيرة قشم، بالتزامن مع التصعيد الذي طال مواقع مرتبطة بالقدرات العسكرية للحوثيين في اليمن، طرح سؤال جوهري حول حدود النفوذ الإيراني، وقدرة طهران على إدارة ساحات المواجهة المتعددة دون أن تنتقل كلفة الصراع إلى مجالها الجغرافي المباشر.
وتكشف هذه التطورات عن تحوّل في طبيعة المواجهة؛ إذ لم يعد استخدام الفصائل المسلحة والأذرع الإقليمية كأدوات للضغط والردع كافيًا بالضرورة لحماية المصالح الإيرانية أو تحييد الضغوط العسكرية عنها. فكلما اتسعت رقعة التهديد لتشمل الممرات البحرية ومنشآت الطاقة وخطوط التجارة، ازدادت احتمالات انتقال المواجهة من الأطراف إلى مراكز النفوذ نفسها، وهو ما يضع طهران أمام معادلة أكثر صعوبة، تجمع بين الحفاظ على شبكة حلفائها وتجنب الانكشاف العسكري المباشر، في وقت تواجه فيه ضغوطًا اقتصادية وسياسية داخلية متراكمة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية البحر الأحمر ومضيق باب المندب بوصفهما ساحتين تتجاوز أهميتهما الحسابات الإقليمية، بالنظر إلى ارتباطهما المباشر بحركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة. وقد أظهرت الهجمات التي استهدفت الملاحة خلال السنوات الماضية أن توظيف الجغرافيا البحرية في الصراعات يمنح الأطراف الأقل امتلاكًا للقوة العسكرية التقليدية قدرة على إرباك الاقتصاد العالمي وفرض كلفة سياسية وأمنية على خصومها. غير أن اتساع نطاق الاستجابة الدولية والإقليمية لهذه التهديدات يضيّق هامش المناورة أمام الجماعات المسلحة، ويجعل أمن الممرات البحرية جزءًا أساسيًا من معادلة الردع في المنطقة.
ولا يعني ذلك أن ميزان القوى قد استقر بالفعل لصالح طرف بعينه، أو أن القدرات الإيرانية فقدت تأثيرها، بقدر ما يشير إلى أن قواعد الاشتباك باتت أكثر عرضة للتغيير، وأن أدوات النفوذ التقليدية تواجه اختبارًا جديدًا. فالحرب الهجينة، بما تتضمنه من استخدام للطائرات المسيّرة والصواريخ وشبكات الحلفاء المحليين، لا تزال تمنح طهران وسائل متعددة للضغط، لكنها لم تعد تضمن لها تجنب المواجهة المباشرة أو منع خصومها من استهداف مراكز الثقل العسكري واللوجستي المرتبطة بها. ومن ثم، فإن التحول الأهم لا يكمن في حجم الضربات وحده، بل في اتساع نطاق الأهداف التي باتت تدخل ضمن حسابات الردع المتبادل.
على الجانب العربي، تتقدم ترتيبات الأمن البحري والدفاع الجوي إلى واجهة المشهد، في ظل مساعٍ خليجية وعربية لتعزيز التنسيق العسكري وتطوير آليات الاستجابة للتهديدات العابرة للحدود. وتكتسب التحركات السعودية في هذا المجال أهمية خاصة، بالنظر إلى دور الرياض في الدفع نحو بناء أطر تعاون دفاعي أوسع، بالتوازي مع مشاركة دول عربية وإقليمية، من بينها مصر وتركيا، في جهود حماية الممرات البحرية وتعزيز أمن المنطقة. كما تعكس استضافة البحرين مؤسسات وتشكيلات معنية بالأمن البحري، إلى جانب تنامي آليات التنسيق الدفاعي في قطر، اتساع الحاجة إلى منظومة إقليمية أكثر تكاملًا في مواجهة التهديدات الجوية والبحرية.
ومع ذلك، لا تتحرك دول الخليج وفق رؤية واحدة بالضرورة؛ فبينما تميل بعض العواصم إلى تعزيز الشراكات الدفاعية وتوسيع التنسيق العسكري، تواصل سلطنة عُمان التمسك بدورها الدبلوماسي، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة وقنوات الاتصال المفتوحة مع الأطراف المتنازعة. ولا يعكس هذا التباين بالضرورة تناقضًا في تقدير المخاطر، بقدر ما يكشف عن اختلاف الأدوات التي تختارها الدول لحماية مصالحها؛ إذ تتكامل في بعض الأحيان حسابات الردع العسكري مع مسارات الوساطة والاحتواء السياسي، حتى وإن اختلفت الأولويات من عاصمة إلى أخرى.
وتكشف هذه التحركات عن إدراك متزايد لدى العواصم الخليجية بأن حماية الأمن الوطني لم تعد مسألة ترتبط بقدرات الدفاع التقليدية وحدها، وإنما تتطلب بناء شبكة متكاملة من التعاون تشمل تبادل المعلومات، والإنذار المبكر، وتنسيق أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وتأمين المنشآت الحيوية وخطوط الملاحة. كما أن تجفيف مصادر تمويل الجماعات المسلحة ومواجهة شبكات الإمداد العابرة للحدود يمثلان امتدادًا ضروريًا للجهد العسكري، لأن قدرة هذه الجماعات على الاستمرار ترتبط ببنية لوجستية ومالية تتجاوز حدود ساحات القتال.
لكن إعادة بناء توازن القوى في الشرق الأوسط لن تُحسم بالقدرة على توجيه الضربات أو احتواء الخصوم عسكريًا وحدها؛ فاستدامة أي منظومة أمنية تظل مرتبطة بصلابة الدولة الوطنية، وقدرتها على حماية مؤسساتها واقتصادها ومجالها السيادي. وقد أظهرت تجارب المنطقة أن الفراغات السياسية والاقتصادية، وضعف مؤسسات الدولة، تتيح للجماعات المسلحة بناء نفوذ موازٍ يصعب تفكيكه بالوسائل العسكرية وحدها. ومن هنا، تصبح استعادة الدولة لدورها، وتعزيز قدرتها على فرض القانون وإدارة مواردها، شرطًا أساسيًا لأي استقرار إقليمي قابل للاستمرار.
ويضاف إلى ذلك أن تنويع الشراكات الاستراتيجية مع القوى الدولية، والاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية، يمنح الدول العربية مساحة أوسع للحركة في بيئة دولية تتسم بتعدد مراكز القوة وتضارب المصالح. فالأمن لا يُبنى فقط عبر التحالفات العسكرية، وإنما أيضًا من خلال امتلاك مقومات اقتصادية وتكنولوجية تقلل الاعتماد على الخارج، وتمنح القرار الوطني قدرًا أكبر من الاستقلال والقدرة على المناورة.
في المحصلة، تقف المنطقة أمام اختبار يتجاوز نتائج المواجهات العسكرية الراهنة إلى طبيعة النظام الإقليمي الذي يمكن أن يتشكل بعدها. فالتصعيد قد يفتح المجال أمام ترتيبات دفاعية أكثر تنسيقًا، لكنه قد يفضي أيضًا إلى جولات جديدة من التنافس إذا ظلت أسباب الصراع قائمة، وبقيت أدوات النفوذ المسلح أقوى من مؤسسات الدولة. وبين هذين الاحتمالين، تتحدد أهمية اللحظة الراهنة: هل تتحول الصدمات العسكرية إلى فرصة لإعادة بناء منظومة أمن إقليمي تحمي السيادة وتضمن حرية الملاحة وتدعم استقرار الدول، أم تظل مجرد محطة جديدة في دورة ممتدة من التصعيد؟ الإجابة لن تصوغها نتائج المواجهة وحدها، بل قدرة دول المنطقة على تحويل الردع من استجابة عسكرية مؤقتة إلى مشروع سياسي واقتصادي وأمني طويل الأمد.









اضف تعليق