تناولت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا، بطبيعة الحال، ملفات عديدة، من الطاقة إلى الاستقرار الجيوسياسي. لكنها حملت أيضًا رسالة تتعلق بلبنان سبق أن كررتها باريس مرارًا، إذ تشجع فرنسا السلطات السورية الجديدة على احترام استقلال لبنان بشكل كامل ووضع حد لأي تدخل في شؤونه.
وبعبارة أخرى، لا يريد ماكرون أن تلعب سوريا دورًا في التجاذب القائم حاليًا بشأن نزع سلاح حزب الله. فمن منظور باريس، يتمثل الهدف في تعزيز سيادة الدولة اللبنانية وتجنب تشابكات جديدة في المشرق. غير أن هذه السياسة تُبقي حزب الله في صلب عملية صنع القرار السياسي في لبنان، وهو ما يتعارض بوضوح مع الموقف الأميركي.
وخلال مناقشته مع الرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة هذا الأسبوع، شدد دونالد ترامب، فيما يتعلق بلبنان، على أن سوريا الجديدة ينبغي أن تؤدي دورًا في تحقيق الاستقرار في المنطقة من خلال المساعدة على الحد من نفوذ حزب الله. وقد صرح مرارًا بأنه يعتقد أن سوريا قادرة على “التعامل مع حزب الله”. كما أكد أنه طلب مباشرة من الشرع المساعدة في احتواء الحزب، موضحًا أن ذلك لا يعني تدخلًا عسكريًا سوريًا في لبنان، بل تعاونًا أمنيًا وسياسيًا يهدف إلى تعزيز سلطة الدولة اللبنانية. ومع ذلك، لا يبدو أن هذا الخيار يشكل خطًا أحمر.
ويشكل الاستقرار محورًا مشتركًا في رؤية الرئيسين الفرنسي والأميركي للبنان. فالولايات المتحدة وفرنسا تسعيان إلى تعزيز الأمن على الحدود السورية-اللبنانية لمكافحة تهريب السلاح والمخدرات، وكذلك أنشطة الجماعات المسلحة، مع الحد من نفوذ الجهات غير الحكومية التي تزعزع استقرار المنطقة. ويشمل ذلك أيضًا منع استخدام الأراضي السورية كقاعدة خلفية لأنشطة حزب الله. كما يسعى الطرفان إلى تخفيف الضغط الذي يشكله اللاجئون السوريون على لبنان، عبر توفير الظروف المناسبة لعودتهم التدريجية والآمنة إلى وطنهم.
وتأمل كل من واشنطن وباريس أن تؤدي إعادة بناء سوريا وإعادة دمجها في محيطها الإقليمي إلى خلق فرص اقتصادية واسعة وتعزيز التبادل مع لبنان. كما تسعيان إلى تقليص مخاطر التصعيد العسكري مع إسرائيل. وقد صرح ترامب حتى بأن على إسرائيل ممارسة ضبط النفس في لبنان لإتاحة المجال أمام دمشق للمساهمة في تحقيق الاستقرار.
نشهد اليوم محاولات متعددة لصياغة توازن جديد في المشرق، يقوم على الدول ذات السيادة، والحدود الآمنة، وتعزيز التعاون الإقليمي. ولذلك، ليس من المستغرب أن تتعرض سوريا، في خضم رسم ملامح هذه التحولات الجيوسياسية، لسلسلة من الهجمات.
ففي الأسبوع الماضي، أسفر تفجير في وسط دمشق عن سقوط قتلى وجرحى، فيما أُحبط هجوم آخر في ضواحي العاصمة في اليوم التالي. كما وقع انفجاران في دمشق خلال زيارة ماكرون، ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة عدد آخر، من دون أن يؤثرا في جدول زيارته الرسمي. وربما يكون ذلك مجرد تكهن، لكن من المؤكد أن منفذي هذه العمليات ليسوا دائمًا هم من أصدروا الأوامر بتنفيذها.
إن سوريا الجديدة تمثل تهديدًا مباشرًا لهدف إيران المتمثل في مواصلة هيمنتها على المشرق. فعلى مدى عقود، استفادت طهران من وصولها إلى الساحل السوري على البحر الأبيض المتوسط، ما أتاح لها استخدام هذا النفوذ للضغط على أوروبا والولايات المتحدة. أما اليوم، فهي تجد نفسها محاصرة. وليس من الواضح أيضًا أن روسيا، التي لا تزال تحتفظ بقواعدها العسكرية في سوريا، ستكون منزعجة بالكامل من خروج إيران من هذا المشهد.
وتبرز الآن عدة تساؤلات وسيناريوهات. ففيما يتعلق بلبنان، يبقى السؤال الأساسي: كيف ستتعامل سوريا مع التهديدات التي تطال أمنها؟ وهل ستتدخل لنزع سلاح حزب الله، الذي يشكل أيضًا تهديدًا أمنيًا لدمشق؟ وإذا فعلت، فكيف سيكون ذلك؟ وهل يمكن أن يصل الأمر إلى تدخل عسكري؟
في الوقت الراهن، وبينما تعمل سوريا على استكمال مقومات وحدتها وسيادتها، فمن غير المرجح أن تسعى إلى مواجهة. لكن إذا ظهرت مؤشرات واضحة على أن حزب الله ينفذ أنشطة تهدد استقرار سوريا وأمنها، فقد يتغير هذا الموقف، وقد تتجه دمشق إلى اعتماد سياسة أكثر حزمًا.
وهناك عنصر آخر في هذه المعادلة ينبغي أخذه في الاعتبار، وهو ما الذي يمكن أن تكسبه دمشق من مثل هذا التدخل. فما الذي قد يجعلها مستعدة لتحمل هذه المخاطرة؟
قد يفاجئ هذا البعض، لكنه امتداد لفكرة نُسبت إلى وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، مفادها أنه لا يمكن تحقيق السلام في الشرق الأوسط من دون سوريا. وقد شكل هذا المفهوم أساس النفوذ الذي مارسه نظام الأسد على كل من سوريا ولبنان.
فهل نحن اليوم أمام احتمال تكرار السيناريو نفسه، ولكن مع مكافأة أكبر لسوريا في لبنان، إذا نجحت في إخراج حزب الله والحرس الثوري الإيراني من لبنان، كما فعل حافظ الأسد مع الفلسطينيين؟ وهل يجري مرة أخرى منح سوريا نوعًا من الوصاية على لبنان؟
في المحصلة، فإن عدم التدخل هو ما يطمح إليه الجميع، ومن الواضح أن القيادة السورية الجديدة تلتزم بهذه الرؤية حتى الآن، وهو ما ينسجم مع موقف ماكرون. غير أن المشكلة في المقاربة الفرنسية أنها تذهب أبعد من ذلك، إذ تمنح حزب الله وضعًا استثنائيًا، وتوفر له، بشكل غير مباشر، حماية من الضغوط. وقد يفضي ذلك في نهاية المطاف إلى نتائج معاكسة لما تسعى إليه فرنسا.
لقد شكلت ترسانة حزب الله، على مدى سنوات، أكبر مصدر لعدم الاستقرار في لبنان. وهي اليوم تمنع بيروت من ممارسة سيادتها الكاملة بسبب منظومة السلطة الموازية التي يمتلكها الحزب. وغدًا، قد تصبح سببًا في إعادة فرض وصاية خارجية على البلاد. ولهذا، لا يمكن للبنان أن يتمتع بمستقبل مستدام ما دام حزب الله قائمًا. وعلى فرنسا أن تدرك هذه الحقيقة.
الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى









اضف تعليق