الرئيسية » أحداث اليوم » لماذا يريد “الحرس القديم” اللامركزية؟
أحداث اليوم الرأي رئيسى

لماذا يريد “الحرس القديم” اللامركزية؟

اللامركزية: الإصلاح الذي لا يغيّر شيئًا… ولماذا يحتاج لبنان إلى الفدرالية لا إلى إصلاح تجميلي

كل بضع سنوات، يعود الشعار نفسه إلى الواجهة في لبنان: اللامركزية الإدارية. تُقدَّم باعتبارها الإصلاح الذي سيُحدّث الدولة، ويمنح البلديات صلاحيات أوسع، ويحسّن الخدمات العامة، ويقرّب الإدارة من المواطنين.

قد يبدو ذلك مشروعًا طموحًا، لكنه لا يغيّر طبيعة النظام السياسي، بل يكتفي بتحسين طريقة عمله.

فمشكلة لبنان لم تكن يومًا أن بيروت تُدير البلاد بكفاءة أقل مما ينبغي، وإنما أنها تُدير كل شيء تقريبًا. فعلى مدى عقود، تركزت في العاصمة القرارات السياسية الكبرى، والاستثمارات العامة، والتعيينات الإدارية، ومشروعات البنية التحتية، والتخصيصات المالية، حتى أصبحت السيطرة على المركز هي الطريق إلى السيطرة على الدولة نفسها. وأنتج هذا التركّز نظامًا من الزبائنية والفساد والشلل المؤسسي، ورسّخ طبقة سياسية ارتبط بقاؤها بالاحتفاظ بمفاتيح السلطة في بيروت.

في هذا السياق، تبدو اللامركزية خيارًا مريحًا للحرس القديم. فهي تمنح صورة الإصلاح من دون أن تمس جوهر السلطة. قد تحصل البلديات على مسؤوليات أوسع، وقد تصبح الإدارة أكثر كفاءة، لكن القرار السياسي والمالي يبقى في يد المركز.

فالسلطة المركزية تضع القواعد، وتتحكم في الموارد، وتحدد حدود ما تستطيع الإدارات المحلية القيام به. وما دامت هذه الصلاحيات مفوضة من المركز وليست مضمونة دستوريًا، فإن تعديلها أو تقييدها أو سحبها يظل ممكنًا كلما تبدلت الإرادة السياسية. وبذلك يبقى النظام محتفظًا ببنيته الأساسية، بينما يُقدَّم ذلك كله باعتباره إصلاحًا.

وتوضح التجربة الفرنسية هذا الفارق بجلاء. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، حصلت الأقاليم على اختصاصات واسعة في مجالات النقل والتعليم والتنمية الاقتصادية، لكن فرنسا بقيت دولة موحدة شديدة المركزية. فما تزال باريس تحتكر التشريع والسياسة المالية والضرائب والسلطة الدستورية، فيما تدير الأقاليم سياسات صاغها المركز. لقد حسّنت اللامركزية أداء الإدارة، لكنها لم تُعد توزيع السلطة.

الفرق بين الأمرين ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو جوهر النقاش كله. فاللامركزية تستطيع نقل المسؤوليات، لكنها لا تنقل السيادة. تستطيع توسيع هامش الإدارة المحلية، لكنها لا تُنهي احتكار المركز للقرار السياسي.

ولهذا تبدو اللامركزية غير كافية في الحالة اللبنانية. فأزمة البلاد ليست أزمة إدارة بقدر ما هي أزمة دستور ونظام حكم. إن تركّز السلطة في بيروت جعل كل انتخابات معركة وجودية، لأن الفوز بالمركز يعني امتلاك أدوات الدولة كلها تقريبًا، وهو ما يفسر تكرار الشلل السياسي وتعطل المؤسسات.

ولا تغيّر اللامركزية هذه المعادلة، لأنها تطلب من السلطات المحلية إدارة مزيد من الملفات، بينما تحتفظ السلطة المركزية بأدوات القرار الحقيقي. وقد تتحول، إذا قُدمت باعتبارها الحل النهائي، إلى وسيلة لإعادة إنتاج النظام نفسه بصورة أكثر كفاءة، لا إلى تغييره.

يبقى السؤال: من المستفيد من اللامركزية؟ ومن المستفيد من الفدرالية؟

تسمح اللامركزية للمنظومة السياسية بأن تبدو أكثر استعدادًا للإصلاح، بينما تبقى البنية الدستورية التي كرست احتكار السلطة على حالها. فهي تنقل المسؤوليات من دون أن تتخلى عن السلطة الفعلية، وتخلق انطباعًا بالتغيير، بينما تظل القرارات الكبرى والموارد الأساسية متمركزة في بيروت.

أما الفدرالية فتنطلق من تصور مختلف للدولة. فهي لا تبحث في مقدار ما يمنحه المركز للمناطق، وإنما في حدود السلطة التي يجوز للمركز أن يحتكرها أصلًا. لذلك تُوزَّع الصلاحيات دستوريًا بين الحكومة الفدرالية والحكومات المحلية، فلا تصبح المناطق إدارات تابعة للعاصمة، بل كيانات دستورية تملك اختصاصات لا يستطيع المركز انتزاعها بإرادة منفردة.

وبذلك تصبح الحكومات المحلية مسؤولة أمام مواطنيها لا أمام التوازنات السياسية في العاصمة، وتتمكن من إدارة التعليم والصحة والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية وفق أولوياتها، بينما تحتفظ الحكومة الفدرالية بملفات الدفاع والسياسة الخارجية والنقد والجنسية وسائر الشؤون الوطنية.

ويُقال إن الفدرالية قد تؤدي إلى تقسيم لبنان، لكن التجارب العالمية تشير إلى العكس. فقد أثبتت دول مثل سويسرا وألمانيا وكندا والولايات المتحدة أن توزيع السلطة دستوريًا لا يضعف الدولة، بل يخفف الصراع على المركز، لأن وجود حكم ذاتي حقيقي يجعل السياسة أقل ارتباطًا بمصير الدولة بأكملها، فلا يعود كل استحقاق وطني معركة وجودية.

لقد أمضى لبنان عقودًا يبحث عن حلول إدارية لمشكلة دستورية. واللامركزية، مهما اتسعت، تظل قادرة على تحسين كفاءة الإدارة، لكنها لا تعالج السبب الذي أنتج الشلل والزبائنية والصراع المزمن على السلطة. فالمشكلة لا تكمن في طريقة إدارة الدولة، وإنما في احتكار السلطة داخلها.

إذا كان لبنان يريد الخروج من هذه الحلقة، فلن يكون السؤال كيف يجعل الدولة المركزية أكثر كفاءة، وإنما كيف يعيد توزيع السلطة بحيث لا تبقى البلاد كلها رهينة لمن يسيطر على بيروت.

عندها لا تعود الفدرالية مجرد تعديل إداري، بل تصبح تصورًا مختلفًا للدولة نفسها؛ دولة تتوزع فيها السلطة بدل أن تُحتكر، ويصبح الاستقرار نتيجة لتوازن دستوري دائم، لا لتسويات سياسية مؤقتة.

تم الاستعانة  بأجزاء من هذا المقال بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي

الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى