على الرغم من التوجسات التي تكتنف محاولة اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني في العراق والتي أشارت لها بعض وسائل الإعلام غير أن توقيت الإعلان عن تلك الواقعة يحمل دلالات عدة, إذ يمكن اختزال المشهد “موضع الشك” برمته في عدة رسائل تحاول طهران تصديرها داخلياً وخارجيا عقب هجوم الأهواز وذلك بالنظر إلى الشخص المستهدف ومكان وتوقيت الحادث .
معطيات الصراع تتسق بشكل متزايد مع الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام عن تعرض قائد فليق القدس لمحاولة اغتيال في العراق لاسيما وأنه المسئول عن الملف العراقي لذلك يبدو الإعلان عن محاولات اغتياله فى مناطق التمدد الإيراني سواء بالعراق أو اليمن أو حتى سوريا متوائمة مع مجريات الأحداث , إذ أنه بطبيعة الحال لابد أن يكون موقع استهداف الجنرال الذي يتندرون بأن إصابته بالصداع ربما تؤثر على سلامة الملايين و تحدث انقلاباً فى دمشق, فى إحدى ساحات المعركة فضلاً عن أن اختيار محافظة صلاح الدين العراقية، ذات الأغلبية السنية ، تعزز ,وفقاً لوجهة النظر الإيرانية من مصداقية الرواية . وكانت صحيفة الديار اللبنانية قد أشارت إلى أن قاسم سليماني قائد الحرس الثوري الإيراني نجا من محاولة اغتيال في محافظة صلاح الدين الجمعة الماضية ،
أهمية قائد الذراع الخارجية لحرس الملالى أهلته بجدارة لبطولة المسرحية الإيرانية , فالرجل الذي تشبه الهالات الداكنة حول عينيه تجاويف صواريخ الهاون ويوصف بأنه العقل المدبر ومعماري العمليات الإرهابية التي ينفذها فيلق القدس والمسئول الأول عن تفتيت المنطقة .استمد مكانته بالساحة من قدرته على خلق تحالفات جديدة وغريبة لخدمة أهدافه فهو بارع بالتمدد و حياكة المؤامرات وقلب الموازيين وتتنوع أدواته في تحقيق استراتيجياته وفقا للنطاق الجغرافي للعمليات ولكنها جميعا تتدرج من تقديم الرشاوى المالية لاستمالة الساسة واستئجار الخصوم وتخويفهم عند الحاجة، وتسليح الجيوش والاغتيال كآخر الوسائل.
فضلاً عن أن تمتعه بنفوذ واسع في الداخل يمنحه أولوية الاستهداف حيث يعد ثاني شخصية في إيران بعد المرشد خامئني في تحكمها بالقرار الأمني والعسكري بل و السياسي , كما أنه المادة الرئيسية للأفلام الوثائقية ونشرات الأخبار وحتى بعض أغاني موسيقى البوب في طهران وبلغت حملة الاحتفاء بـ”سليماني” ذروتها حين تم الكشف عن طابع بريدي يحمل صوره وقد سخرت ابنته نرجس من ظهوره المكثف فى الآونة الأخيرة و أرسلت عبر البريد الإلكتروني صوراً له بعد إجراء تعديلات عليها بواسطة “الفوتوشوب” ليظهر على القمر مرتدياً سترة سوداء إلى جانب أحد رواد الفضاء . “لول، بابا”، كتبت نرجس معلقةً،على صورة أبيها والذي أبدى قلقا مسبقاً بشأن ابتعادها عن الدين الإسلامي و ترددها على ملاهي الكاريوكي المترفة في العاصمة الماليزية كوالالامبور
لذلك تبدو احتمالات اغتيال شخصية بثقل سليماني منطقية , وفقا لسيناريو الملالى , فإلى جانب عملية التلميع الممنهج والتي أظهرته كبطل عسكري ورجل يمكن الاعتماد عليه في مواجهة المستقبل المجهول وتهديد إيران بأنه لو أصيب قائد فليق القدس فإن الحرس الثوري الإيراني كان سيرد ربما بحرب شاملة في الخليج انطلاقا من العراق واليمن بدل الأراضي الإيرانية كيلا تحصل حرب إيرانية – أميركية مباشرة, فإن التهديدات الأمريكية بتصفيته جسدياً وتعرضه لآكثر من محاولة اغتيال تدعم فرضية استهدافه مجدداً في ضوء الرؤية التي تريد إيران تصديرها داخلياً وخارجياً.
توقيت الحادثة يؤشر إلى مبررات اختلاقها , فقد جاءت بعد أيام من هجوم الأهواز والذي أسفر عن مقتل نحو 29 شخصا وإصابة مالا يقل عن 57 شخصاً معظمهم من الحرس الثوري وأشارت الخارجية الإيرانية إلى تورط ما أسمتهم بـ”عملاء” الولايات المتحدة في الهجوم لكن تنفيذ الهجمات بهذه الطريقة يعكس خللاً أمنيًا كبيرًا، في ظل الأهمية الخاصة التي تبديها مؤسسات النظام الإيراني لهذه الاحتفالات على نحو يتنافى مع المزاعم التي تروجها إيران بأنها “الدولة الأكثر استقرارًا في المنطقة التي تعاني من عدم الاستقرار على المستويين السياسي والأمني” , فالعرض العسكري الإيراني والذي كان من المفترض أن يكون إشارة لاستعراض القوى في مواجهة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية خلال الأشهر القليلة الماضية، قد تحول إلى شاهد على الضعف الأمني الواضح لدى إيران, لذلك ارتأت القيادة الإيرانية فى الإعلان عن إفشال محاولة الاغتيال حفظ لماء الوجه و إعادة الاعتبار لصورة أجهزتها الأمنية داخلياً وخارجياً و التي اهتزت مصداقيتها عقب الهجوم ومحاولة إظهارها بأنّها كانت ولا تزال قادرة على إفشال مخططات الأعداء واختراق تنظيماتها .
ولعل تتبع سيناريو الواقعة والكيفية التي تمت بها تفسر أهداف طهران فيما يتعلق بالجانب الأمني , إذ تذهب الرواية الإيرانية الملفقة , أنه خلال جولة لسليماني وعبوره من المنطقة، و في إطار احتياطات أمنية “محكمة”، قام بتبديل موقعه في موكبه، وانتقل إلى سيارة “أخرى” في آخر الموكب، ما جعل ناقلة الجنود المفخّخة تنفجر بعيداً عن السيارة التي يستقلها سليماني، رغم أنّ طائرات “هيلوكوبتر” أمريكية، و”إسرائيلية كانت تتابعه , حيث أدعت المراكز الأمنية في طهران أن اللواء قاسم سليماني لاحظ مراقبة مواكبه بطائرات هليكوبتر أميركية كذلك انتبه إلى مراقبة المخابرات الإسرائيلية من أوكرانيا بلباس الجيش الأميركي كذلك لاحظ وجود ضباط مخابرات من السعودية في المحافظات السنية وبين العشائر والأحزاب السنية، ومع ذلك قاد محادثات أدت إلى إقناع المكون السني في العراق للدخول إلى الحكومة الجديدة
اختيار الجهات المتهمة بمحاولة الاغتيال والتي هي نفسها من حرضت على هجوم الأهواز وهى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى جانب دول خليجية , يعد استثماراً جيداً إذ أن إلصاق صفة من أصول أوكرانية إلى الضباط الإسرائيليين المتهمين بالضلوع فى قتل سليمانى يأتي فى إطار محاولات الملالي للصيد فى الماء العكر اللعب على ورقة الخلافات بين موسكو وتل أبيب على خلفية إسقاط الأخيرة لطائرة روسية والإيحاء بأن إسرائيل تنسق مع أوكرانيا عدوة روسيا فضلاً عن أن تزامن ذلك مع الإعلان أن إيران وقفت حائلاً أمام قيام الحشد الشعبى بقتل 50 جندياً أميركياً فى العراق يشكل خطوة استباقية لحزمة العقوبات الجديدة إذ يبعث برسالة إلى واشنطن مفادها أن طهران قادرة على استهداف الجنود الأميركيين فى العراق عبر المليشيات الموالية لها وبأنّ الحرس الثوري يمكنه الرد على التهديدات الأميركية – الإسرائيلية المتزايدة
جميع الشبهات حول العملية تؤشر إلى أنها من صناعة المخابرات الإيرانية فبالإضافة للدوافع السابقة فإنها ترمى من وراء ذلك إلى تحويل الأنظار ,على الصعيد الداخلي, عن الأزمة الاقتصادية وتردى قيمة الريال فضلاً عن الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية وتلك سياسية إيرانية متعارف عليها في الأزمات حيث تلجأ إلى اختلاق وقائع للتعبئة الشعبوية وتنفيس الاحتقان الشعبي الناتج عن تدهور الوضع الاقتصادي بانتهاج خطاب معاد للولايات المتحدة طالما استثمره الملالي ببراعة .
فعليا, لا يعد سليماني هدفاً مغرياً لكل من الولايات المتحدة أو إسرائيل فعلى الرغم من خطورته ووقوفه خلف قتل الجنود الأميركين فى العراق غير أن ثمة تردد كبير داخل المؤسسة الأمنية الأميركية، وفي إسرائيل أيضاً فيما يتعلق باستهدافه ليس لصعوبة تحديد موقعه فهو يظهر بساحات القتال لكن الولايات المتحدة لم تفكر قط بجدية في استهداف سليماني مباشرةً بالطريقة ذاتها التي استهدفت بها بن لادن، أو زعيم تنظيم القاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي إذ أن مقتله سيعد عملاً بالغ الاستفزاز إلى حد أنَّه سيشعل شرارة التصعيد والرد باستهداف منشآت أميركية إذ أقدمت الولايات المتحدة على الخطوة فضلاً عن أن السلطة قد تنتقل إلى من هو أكثر تهوراً وشغفاً لصنع اسمٍ لنفسه ..باختصار قتل سليمانى يعد مغامرة غير محسوبة وصداع لا يمكن للمنطقة احتماله









اضف تعليق