يُعدّ النظام الإيراني نظامًا تروتسكيًا. فمنذ عام 1979، انتهج سياسة الثورة الدائمة وسعى إلى تصديرها في أنحاء المنطقة. ومن اللافت أن هذا التصدير لم يتجه شرقًا، بل اقتصر على التوجه غربًا نحو الدول العربية. وحتى قبل عام 2023، ورغم أنه كان قد بدأ يضعف بالفعل، كان قد صدّر نفوذه ودماره إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن، كما كان يواصل بلا هوادة محاولاته لزعزعة الاستقرار والتدخل في شؤون دول أخرى.
واليوم، وعلى عكس ما تروّجه بعض وسائل الإعلام الغربية، يقف النظام على أنقاض هذا التوسع. ففي لبنان، وبعد الضربات الإسرائيلية، لم يعد حزب الله قريبًا من مستوى قوته السابق. أما سوريا فقد خسرها بالكامل، بينما تواجه إيران نفسها لحظة حساب مصيرية.
لقد حان الوقت للاعتراف بأن هناك دائمًا عنصرًا مفقودًا منذ الاتفاق النووي الإيراني وكل المفاوضات الأخرى مع النظام في طهران. ينبغي أن نطرح الأسئلة الصحيحة: كيف يمكن التوصل إلى اتفاق مع طرف يرفع شعار الاستمرار في تصدير الثورة؟ وكيف يمكن الاتفاق مع تروتسكيين إسلاميين لا يقبلون بالأمر الواقع إلا مؤقتًا، من أجل مواصلة الدفع بقوة أكبر نحو هدفهم المتمثل في زعزعة استقرار المنطقة وتصدير نموذجهم مستقبلًا؟ أعتقد أن الجواب هو: لا يمكن ذلك.
اليوم نشهد الولايات المتحدة وإيران تتأرجحان بين الضربات العسكرية وإمكانية التوصل إلى اتفاق. وأرى أن الشرط الأهم في هذه المفاوضات يجب أن يكون إعلانًا رسميًا وعلنيًا، يصدر عن أعلى مستوى في الدولة الإيرانية، بالتخلي عن سياسة تصدير الثورة، مع التنفيذ الفوري لهذا الإعلان. وهذا يعني حل جميع الميليشيات في لبنان والعراق وأي مكان آخر. وينبغي أن يكون ذلك الخطوة الأولى في أي اتفاق مع النظام الحالي في إيران.
ومن الموضوعات التي تناولها الخبراء لعقود، ثم أصبحت أكثر تداولًا في وسائل الإعلام خلال السنوات الأخيرة، مفهوم «ولاية الفقيه». وهذه العقيدة تسير جنبًا إلى جنب مع العقيدة التروتسكية. فباعتبارها المبدأ التأسيسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، منحت المرشد الأعلى السلطة السياسية والدينية المطلقة على الدولة في غياب الإمام المهدي المنتظر. ولهذا المبدأ تأثير مباشر يتجاوز حدود البلاد، إذ يشكّل من خلاله النظام نفوذه الإقليمي، باعتباره السلطة الوحيدة المعترف بها لدى هذه الميليشيات، وبالتالي على المشاريع السياسية والقوة الدينية والعسكرية في أنحاء الشرق الأوسط.
إلا أن هذا الصوت وهذه السلطة يبدوان غائبين اليوم. فقد أدت عملية استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي، وما تردد عن استهداف نجله وخليفته المحتمل مجتبى خامنئي، الذي اختفى عن الأنظار العامة، إلى تأجيج التكهنات بشأن مستقبل توازنات القوى داخل إيران. ويُذكر أن مجتبى خامنئي نادر الظهور علنًا، إذ غالبًا ما تصدر رسائله في شكل بيانات مكتوبة أو رسائل غير مباشرة.
ويرى محللون أن السيطرة المطلقة والاستمرارية التي كانت تمثلها هذه المؤسسة بدأت تتفكك. فهل يمكن أن يؤدي غياب طويل الأمد وعزلة متزايدة إلى انتقال السلطة الفعلية تدريجيًا إلى داخل الحرس الثوري الإيراني، بما يفضي في نهاية المطاف إلى إنهاء ولاية الفقيه ونفوذها الإقليمي؟ من الممكن بالفعل تصور أن الضباط الذين بلغوا مستويات اتخاذ القرار في البلاد لن يعودوا بسهولة إلى الخضوع لسلطة المرشد الأعلى. لكن من يستطيع أن يضمن ذلك؟
علاوة على ذلك، فإن هذه عملية طويلة ومعقدة. والواقع أن التدخلات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية فرضت تغييرًا حقيقيًا داخل بنية النظام الإيراني، وينبغي أن ينعكس ذلك في أي اتفاق مستقبلي. وحتى لو تم التوصل إلى اتفاق، فهناك احتمال ضئيل أن يصمد طويلًا ما لم تُعالج القضايا الجوهرية، وهذا يعني تغيير العقيدة التي تحكم البلاد وتوجّه سياستها الخارجية.
فالبرنامج النووي، والميليشيات، والإرهاب، والأنشطة الإجرامية، كلها متجذرة في أيديولوجية النظام الإيراني الحالي. وهذه ليست سوى الأدوات التي يستخدمها لتحقيق أهدافه. ومن ثم، فإن عدم إحداث هذا التغيير يعني أنهم قد يتوقفون مؤقتًا، لكنهم سيواصلون السعي نحو أهدافهم كلما سنحت الفرصة. والحل الوحيد لاتفاق دائم ومستقر هو التخلي عن هذه الأيديولوجية وتفكيك جميع شبكاتها فورًا في المنطقة وخارجها، سواء في إفريقيا أو أمريكا الجنوبية.
وعلى الرغم من ادعائه التفوق الأخلاقي، فإن النظام الإيراني لا يختلف عن عراق البعث. ففي الوقت الذي يدّعي فيه الدفاع عن حرية الفلسطينيين وغيرهم، استهدف نظام طهران باستمرار الدول العربية، وليس دول آسيا الوسطى، عبر التدخل في شؤونها الداخلية. ولم يقم يومًا على علاقات حقيقية بين الحكومات، بل فضّل دعم مجموعات داخلية لإضعاف هذه الدول وزعزعة استقرارها. ولم يعد هذا الأمر مقبولًا.
ومن الواضح أن النظام الإيراني لن يوافق أبدًا على هذه الشروط، ولن يقبل حتى بتفكيك شبكته الإقليمية. فالإقدام على ذلك يعني التخلي عن السبب الأساسي لوجوده. ويدرك نظام طهران جيدًا أن فقدان الإيمان بأيديولوجيته، قبل أي شيء آخر، كان العامل الذي أدى إلى انهيار الاتحاد السوفيتي.
قد تنكر طهران ذلك، لكن النظام الإيراني دخل بالفعل المرحلة الأخيرة من وجوده. فقد أصبح كيانًا متجاوزًا لروح التنمية والتطور في الشرق الأوسط. والسؤال الوحيد هو ما إذا كان هذا التحول سيحدث اليوم، بشكل واضح وحاسم عبر اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة، أم أنه سيتأخر لبضع سنوات أخرى.









اضف تعليق