تقرير: هبة المنسي
موجات الغضب تتمدد بالشارع الإيرانى ولم تعد مقصورة على منطقة محددة ولعل سياسة القمع و التمييز التى مارسها نظام الملالى طلية أربعة عقود ماضية وأشار إليها وزير الخارجية الأمريكية فى خطابه الأخير أول أمس أحد أسباب تداعى الفسيفساء الإيرانية التى أوشكت أحجارها على التساقط
مظاهرات المواطنين في كازرون الاثنين الماضى ليست سوى حلقة ضمن سلسلة متصلة من الانتفاضات الشعبية والتى انطلقت شرارتها فى ديسمبر 2017 و يناير 2018. وتشبه إلى حد بعيد انتفاضات مزارعي أصفهان في الأسابيع الماضية واحتجاجات الأحواز التى وصلت إلى مشارف طهران .فبالرغم من أن الحالة الثورية تبدو فى ظاهرها أنها نوع من التذمر على تردى الأوضاع الاقتصادية والمعيشية غير أنها فى أعماقها وخلفياتها حسابات تاريخية وحقوق مؤجلة ضد التهميش وربما يكون ذلك الدافع وراء وصول حصن الانتفاضة إلى أكثر من 142 مدينة إيرانية
حيث أن فشل النظام فى احتواء ملف الحركات الإثنية وعدم قدرته على التعاطى معها , بات يشكل نقطة ضعف رئيسية بالأمن القومى الإيرانى وأحد علامات انهيار الجمهورية الإسلامية . وتضم الفسيفساء الإيرانية مزيجا ً فريدأ من قوميات عدة , لا يشكل الفرس سوى 51 بالمئة من مكوناتها وفقا لتقديرات غير رسمية ، بينما تصل نسبة الأذريين إلى 24% ويشكل الجيلاك المازندارنيون 8% والأكراد 7% والعرب 3% واللور والبلوش والتركمان 2% لكل منهم، وبقية العرقيات 1% من السكان.
خطورة التركيبة الإثنية على الأمن القومى الإيراني تتضح من خلال وجود امتدادات جغرافية لها فى دول وأقاليم مجاورة ,تجعل القومية الفارسية تبدو كجزيرة معزولة وسط محيط من شعوب مختلفة ، فالعرب لهم امتداد طبيعى فى العراق ودول الخليج في الجنوب، والبلوش يرتبطون بإقليم بلوشستان في باكستان وأفغانستان فى الغرب والشمال الغربى ، أما التركمان فتتداخل مع تركمانستان فى الشمال الشرقى ، والأذريون يقطنون جنوب جمهورية أذربيجان، والأكراد جزء من الحلم الكردي الكبير في تركيا وكردستان العراق.
وعل صفحة المشهد العرقى يطفو البعد الطائفى كرافد آخر للحالة الرخوة التى تسود بالداخل فحسب التقارير الإيرانية فإن التوزيع الديني والمذهبي لإيران يتكون من 65% شيعة، 25 % سنة، واليهودية والمسيحية والزرادشتية والبهائية تبلغ 10%. وفى حين يمثل معظم الفرس والأذريين والجيلاك والعرب سواد الشيعة، يشكل الأكراد والبلوش والتركمان وبعض العرب والفرس في الأقاليم الجنوبية والشرقية سنة إيران .
سياسات التمييز والإقصاء المتعمد من جانب الملالي دفعت الإمبراطورية نحو مزيد من التشظى , اندلاع الثورة فى عام 1979 شاركت بها مختلف القوميات غير الفارسية والتى تطلعت لنيل حقوقها فى ظل نظام يستمد مبادئه من القيم الإسلامية وينادى بالمساواة لكن ذهبت تلك التطلعات مع أدراج الرياح التى حملت الملالى لقمة هرم السلطة ,فالنظام الذى يتشدق بنصرة المستضعفين فى الخارج سحق ضعافه فى الداخل.
وجاء الدستور الإيراني منافياً لكل الأعراف التى تبنى عليها الدول .فرغم تأكيد الجمهورية الإسلامية أنها لا تفرق بين مواطنيها على أساس القومية أو اللغة أو اللون أو المذهب، نص الدستور صراحة بالمادة 107 من الدستور على منع أي شخص من أتباع الديانات و المذاهب الأخرى بما فيهم السنة من الترشح لمنصب القائد العام ، أوعضوية مجلس الخبراء ، و هذه المادة تجيز فقط لعدد قليل من رجال الدين الشيعة وفي ظروف خاصة التمتع بهذا الحق . كما تم حرمان باقي الأقليات الدينية و المذهبية من تبوء جميع المناصب السياسية و القضائية و الرئاسية حيث نصت الفقرة 5 من المادة 115 على أن يكون رئيس الجمهورية مؤمنا و معتقدا بمبادئ جمهورية إيران الإسلامية وأن المذهب الرسمي للبلاد هو المذهب الجعفرى . كما ورد في قسم من المادة 121 من الدستور و المتعلقة بأداء القسم الخاص برئيس الجمهورية الإسلامية على ” كونه حاميا للمذهب الرسمي” فقط. وهو ما يصادر على حق المسلمين السنة من أكراد وتركمان وعرب وغيرهم من الأقليات .
وبينما ينص الدستور الإيراني في البندين 15 و19 على حق الأقليات في استعمال لغاتهم في المجالات التعليمية والثقافية، تمنع السلطات تلك القوميات من استخدام لغتها الأم في المدارس والجامعات والإعلام ومن بناء أي مسجد للسنة بالعاصمة طهران رغم وجود كنائس ومعابد يهودية.مبررة تعطيل مواد الدستور بقسوة اعتبارات الأمن القومي وظروف عدم الاستقرار الإقليمي.
التضييق والتجاهل المتعمد من قبل الحكومة المركزية في طهران لاسيما في فترة ما بعد الثورة الإسلامية ومحاولات التفريس والدمج القسرى دفع تلك القوميات إلى تحرى كل الإجراءات التى تكفل لها الحفاظ على هويتها وقادت انتفاضات عدة ضد التمييز والتهميش والحرمان الاقتصادي من جانب الفرس وصولاً إلى مطالبة بعضها بالانفصال مثل أذربيجان والأهواز العربية.
حركات النضال التى بدأت مع العام الأول من الثورة تصدت لها فتوى جهاد من روح الله الخميني وشن الحرس الثورى حملات إبادة واسعة ضد عرب الأهواز المنتفضين في المحمرة والتركمان في “تركمن صحراء”، والكرد في غرب إيران، وتم الرد على مطالبهم بالحكم الذاتي والحقوق المتساوية بالإعدامات الجماعية للقادة التركمان وفتح النار على المتظاهرين في المحمرة واجتياح عسكري لكردستان ,وأقيمت المحاكم “الثورية” للبت في أمر أفراد الأقليات المشاركين في التظاهرات ضد الحكومة الجديدة، ووصل عدد الضحايا حينذاك إلى582 شخصا،.
High presence if security & anti riot units in #Kazerun
Man in white vehicle: "A bunch of ISIS are after us"
The woman answers, "ISIS. What else? They're all ISIS… No one is afraid of any this."#KazerunInBlood#کازرون_در_خون #کازرون_ایستاده pic.twitter.com/ppx3Ya3znE— IRAN HRM (@IranHrm) May 20, 2018
وتتوزع خارطة الحراك الإنفصالي المتجدد ضد تهميش نظام طهران وتقصيره في تنمية الأقاليم التي تعيش بها الأقليات غير الفارسية ،و تعامله بعنف واستعلاء مع سكانها على ثلاث قوى رئيسية يعد إقليم عربستان أو ما يعرف بالأحواز العربية أبرزها, وتكمن أهمية الإقليم فى استئثاره بمصادر الثروة حيث يستحوذ على 87% من إنتاج النفط الإيراني و90% من إنتاج الغاز فضلا عن نصف المخزون المائى أى أن انفصاله عن إيران يعنى أن تكون دولة بلا مقدرات .
فشل الملالى فى جسر الهوة بين الجماهير الأهوازية وبين نظام الولى الفقيه لاسيما بعد أن عمد الأخير إلى أسلوب التهجير القسرى واغتصاب الأراضى العربية ، أفضى إلى ظهور تيارات تحمل لواء الدفاع عن أرض الأحواز وهويتها العربية.وشهد تاريخهم نحو17 انتفاضة كان آخرها فى إبريل الماضى والتى اندلعت احتجاجا على السياسات العنصرية للنظام ، وتم مواجتهها بالرصاص والقتل الأمر الذى دفع المتظاهرين إلى استخدام تكتيكات جديدة تعتمد على الخروج ليلاً للتقليل من عدد القتلى والمعتقلين ، وقد امتدت التظاهرات من مدينة الأحواز إلى 6 مدن أخرى، هي عبادان، ومعشور، والشبيشة، وشيبان، والحميدية، والأحواز العاصمة.
عواصف الاحتجاجات التى اندلعت في الأحواز من جديد انعكاس لحالة الاحتقان المستمرة داخل الإقليم وبالرغم من السياسات القمعية التى استمرت على مدار أكثر من ثلاثه عقود وتدرجت من طمس الهوية إلى الإعدامات المتتالية فى أعوام 2008 و 2012 إلا أن الأحوازيين لم يفقدوا الأمل فى إيصال صرختهم للرأي العام عبر تعريف المنظمات والمؤسسات الحقوقية والإنسانية، بعدالة قضيتهم ، حيث مدوا جسور التواصل مع وسائل الإعلام العالمية لدعم تلك القضية. كما وجهوا رسالة للجامعة العربية تطرح مطالبهم وتنشد دعمهم مطالبة بمقعد يمثلهم في المنظمة . وكانت القضية حاضرة أيضا خلال المنتدى الثامن للأقليات في الأمم المتحدة بجنيف في نوفمبر 2015
"الله اکبر از دست امام جمعه خائن" / #تجمع مردم شهر #کازرون امروز هم ادامه دارد. pic.twitter.com/MWnnbm4pbe
— خبرگزاری هرانا (@hra_news) May 17, 2018
“كردستان بلاد الألف ثورة، والألف حسرة” صفة أطلقها الكاتب جوناثان راندل فى إشارة إلى الاحتجاجات والثورات المتوالية لأكراد إيران للمطالبة بحقوقهم القومية وحق تقرير المصير، والتى تم قمعها من قبل السلطات الإيرانية..فالقومية الكردية من أكبر القوميات المهددة للأمن القومي الإيراني ولديها تاريخ ممتد فى النضال المسلح يعود إلى ما بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.و قد تمكنوا بالفعل من تأسيس جمهورية مهاباد عام 1946 لكنها لم تدم أكثر من 11 شهراً .
و بعد هدوء دام عقدين، بدأت تلوح بوادر تمرد في كردستان الإيرانية.وانضم الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى خيار القتال العسكري معلقا بذلك قراره عام 1996 بانهاء العمل المسلح ووقف إطلاق النار. ففي مايو 2015 وعلى أثر انتحار الشابة الكردية فريناز خسرواني، بعد تعرضها لمحاولة اغتصاب من قبل ضابط استخبارات إيراني، قرر أكراد إيران أن النضال المدني لم يعد يجدي نفعا ، فعاد الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى الجبال وحمل السلاح.
وفي أيلول (سبتمبر) من العام 2017 عمّ الغضب كافة المدن الكردية احتجاجاً على جرائم القتل الوحشية، التي يقوم بها الحرس الثوري الإيراني ضد العمال الأكراد، في المناطق الحدودية مع العراق؛ حيث خرجت مظاهرات كبيرة في مدينتي “بانة” و”سنندج”، احتجاجاً على قتل الحرس الثوري عاملين كرديين. قد شاركت المدن الكردية في الاحتجاجات ضد النظام الحاكم في بداية 2018، التي عمت مؤخراً مختلف أنحاء البلاد
#Breaking
After widespread clashes in #Kazerun Anti-riot forces are distpaching to the city #کازرون #كازرون_در_خون #كازرون_ايستاده #FreeIran2018 #RegimeChange #ایران_آزاد۹۷ #قیام_تاسرنگونی #Iranprotests pic.twitter.com/UyZYwiKVnp— mostafa.m (@MostafaMe4) May 17, 2018
وفي أحدث فصول القمع ضد الأكراد، ، أعدمت السلطات الإيرانية في أغسطس من العام قبل الماضي 20 سجينا كرديا بسبب نشاطهم كإسلاميين من الطائفة السُّنية، وانتمائهم، فوق ذلك، إلى القومية الكردية ، تزايد عدد الإعدامات القضائية بحق الأكراد رغم مزاعم النظام أنها تتعلق بجرائم مثل تهريب المخدرات ,تشير إلى أنها بهدف قمع نشاط المعارضة . وتصاعد نشاط الحزب الديمقراطي الكردستاني، جاء في وقت يبدو فيه أن الأكراد في مختلف أرجاء المنطقة أصبحوا أكثر جرأة وتمكينا، فالجماعات الكردية المسلحة في سوريا حققت مكاسب على الأرض وحكومة إقليم كردستان في شمال العراق تنأى بنفسها بشكل متزايد عن الحكومة المركزية في بغداد.
الآذريون الكتلة العرقية الكبيرة التي لم تتبن الخيار المسلح تجاه سياسات طهران ولم تشارك فى الانتفاضة الأخيرة حيث كتب بعض النشطاء الأذريين عبر مواقع التواصل أنه وبالنظر إلى حالة عدم اليقين التي تتسم بها المظاهرات والتناقض الكبير بين أهداف ومطالب الشعب الأذري مع الشعب الإيراني في المركز والمدن الفارسية حول القضايا الأساسية، لم تشارك فئات المجتمع الأذري في الاحتجاجات لأنها ترى أنها لا تمثل مطالبها.
حيث اكتفى الآذريون بالنضال السلمى رغم حذر السلطات فى التعامل معهم على خلاف باقى القوميات الأخرى غير الفارسية نظراً لكثرتهم العددية وسيطرتهم على بعض المناصب والمؤسسات الاقتصادية . وتنقسم المعارضة الأذرية إلى قسمين ,الأول يركز في معارضته بشكل أساسي على الحصول على الحقوق المدنية والثقافية والقومية، والمطالبة باستخدام اللغة الأذربيجانية في التعليم .بينما الثانى يطالب بالاستقلال عن إيران والالتحاق بالوطن الأم في جمهورية أذربيجان، وخاصة أن هذه المطالب لقيت تأييدا ودعما من داخل جمهورية أذربيجان، حيث طالب بعض أعضاء مجلس النواب الأذربيجاني، في فبراير 2012، بتغيير اسم الدولة من أذربيجان إلى أذربيجان الشمالية، للتذكير بالجزء الجنوبي المحتل من إيران
الحراك الأذري بحكم عدده الكبير في إيران وانتمائه للمذهب الشيعي، لديه القدرة على إعطاء زخم أكبر لقضية الأقليات والقوميات و إشعال شرارة التغيير في إيران إذا ما تمكن من التنسيق والعمل المشترك مع حراك جميع القوميات المضطهدة داخل إيران، كما أن انتفاضة الأذريين سيكون لها صدى واسع داخل أوساط الأقليات الأخرى التي ستتبعها في الخروج على النظام الفارسي .
السحر ينقلب على الساحر , فممارسات الملالى فى الخارج وإصراره على التدخل فى شئون الدول المجارة كان بمثابة الوقود الذى أشعل حرب الآقليات فى الداخل , وتهديدات أذربيجان بتقسيم إيران إلى 5 دول ليست سوى محاولة لرد الصاع لجارتها بسبب دعمها لـ”أرمينيا” وسيطرة طهران المتزايدة على الممارسات الشيعية في أذربيجان. فحسب البيانات الرسمية، فإن 22 من أصل 150 مدرسة شيعية في البلاد تقع تحت السيطرة الكاملة لإيران..ومهما كانت أسباب حرب الأقليات المستعرة تحت رماد الكتمان إلا أنها تعد إحدى أهم قوى التغيير في إيران، لاسيما وأن تطورات الأحداث إقليمياً تشير إلى أن جمهورية الخمينى تسير لا محالة نحو قاع الجب وأضحت داخلياً أوهن من بيت العنكبوت.
تداوم اعتراضات مردمی #کازرون در روز پنجشنبه ۲۷ اردیبهشت ۹۷
کشته شدن چندتن از معترضان در شب گذشته براثر شلیک تیر از سوی ماموران، باعث تغییر جهت اعتراضات مردمی به شورش اجتماعی در کازرون شد.#کازرون_در_خون pic.twitter.com/RYIh2OM6fK
— Tavaana توانا (@Tavaana) May 17, 2018








اضف تعليق