كل شيء يشير إلي أن الحرس الثوري الإيراني ماض قدماً في خططه لتشكيل "حزب الله" السوري حتي الآن، فإن طهران لم تكن تشعر بالحاجة إلي مثل هذا التنظيم، فتحالفها الاستراتيجي مع نظام الأسد كان يغنيها عن هذه الخطوة، كما أن نظام الأسد يعتبر نفسه قناة الاتصال الوحيدة مع القيادة الإيرانية، وهي مهمة محظورة علي الآخرين. أما حالياً فالظروف تغيرت، وباتت إيران تشعر بحاجة ماسة إلي امتلاك أدواتها الخاصة في سورية، بعد أن صار نظام الأسد في وضع يمنعه من خدمة المصالح الإيرانية، وهو متفرغ للدفاع عن نفسه.
وذكر مصدر أمني غربي في تقرير خاص، أن اجتماعات عقدت علي أعلي مستوي في طهران لبحث تداعيات الثورة الشعبية السورية علي مصالح إيران في دمشق، وأن المرشد الإيراني خامنئي اتخذ بعد مشاورات مع مستشاريه السياسيين والعسكريين قراراً بضرورة إنشاء "حزب الله" السوري، وأصدر أوامره إلي قائد الحرس الثوري محمد جعفري بالبدء فوراً في هذه المهمة.
وقال التقرير الأمني إن القيادة الإيرانية تشعر بقلق بالغ من مسار الأحداث في سورية، وأنها باتت واثقة بأن نظام الأسد في طريقه للانهيار رغم الدعم الإيراني الكبير له، ورغم أن ضباطاً كباراً من الحرس الثوري الإيراني يتولون حراسته، وأن مجموعات قتالية من ضباط وجنود الحرس الثوري تشارك بقوة في معركة دمشق.
وأضاف التقرير أن طهران تخشي أيضاً من تأثير انخراط "حزب الله" اللبناني في الأزمة السورية علي كيان هذا الحزب، فـ"حزب الله" اللبناني يشعر بالحرج من ممارسات دمشق في لبنان، ومن هنا جاء موقف الحزب الغامض تجاه الفلتان الأمني المستشري في لبنان منذ توقيف النائب والوزير السابق ميشال سماحة، واتهامه ومسؤولين سوريين علي رأسهم رئيس مكتب الأمن الوطني اللواء علي المملوك بتخريب الاستقرار الداخلي ومحاولة إشعال فتنة مذهبية في شمال لبنان، حيث تباينت مواقف "حزب الله" تجاه هذه المسألة بين تصريح رافض لهذا الاتهام من قبل النائب محمد رعد وبين سحبه في اليوم التالي، وبين تشكيك بهذه الاتهامات إلي حد رفضها من قبل إعلام "حزب الله"، واتهام شعبة المعلومات في قوي الأمن الداخلي بفبركة تلك السيناريوهات، إلي تصريحات مدير عام الأمن العام السابق جميل السيد التصعيدية.
وضاعف من هذا الغموض تعاطي "حزب الله" مع حال الفلتان والفوضي التي شهدها لبنان، رداً علي خطف حسان المقداد، والتي اختلفت تفسيراتها بين قائل بأنها مجرد تحرك عفوي وانفعالي من قبل عائلة المقداد رداً علي خطف ابنها في دمشق، وآخر يري أن هذه الفوضي وهذا الفلتان جاءا مقصودين، في منطقة نفوذ "حزب الله" ومعه حركة أمل في ضاحية بيروت الجنوبية، وأن الحزب ربما أراد توجيه رسائل سياسية عبر ترك الأمور تأخذ هذا المنحي.
ورطة "حزب الله" اللبناني
وقالت المصادر الغربية إن تطورات الأزمة الدائرة في سورية جعلت من حزب الله اللبناني أسداً جريحاً يحاول المحافظة علي خيط رفيع بين حماية مصالحه وممتلكاته وبين دعم نظام يتهاوي في سورية المجاورة.. متسائلة هل تستطيع الجماعة الشيعية المسلحة النجاة من طوفان سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد؟
ويري بعض المراقبين أن النظام السوري الذي يتفكك يوماً بعد يوم، يريد من "حزب الله" أن يذهب بعيداً عن دعمه من خلال تبني وجهة نظره القائلة إن انفجار الوضع في سورية سيؤدي إلي انفجار المنطقة بأسرها، في وقت يعمل "حزب الله" علي "النأي بنفسه" ومحاولة فك ارتباط مصيره ومستقبله عن مصير النظام في سورية ومستقبله، فالحزب يريد للنظام أن يبقي، ولكنه إذا رأي أن النظام في سورية آيل إلي السقوط فلن يكون في وارد السقوط معه، وهو ما رد عليه الجانب السوري باختراق بعض العشائر الشيعية الكبيرة كآل جعفر في الهرمل علي تخوم سورية الذين دخلوا الأسبوع الماضي في مواجهة عسكرية من أبناء جبل أكروم السنة في عكار، وآل المقداد الذين خرجوا عن طاعة "حزب الله" بحجة المطالبة باستعادة أحد أبنائهم المخطوف في سورية.
وفي قراءة المراقبين أن النظام السوري يبعث برسالة إلي "حزب الله" فحواها أن تفكك النظام في سورية من دون مبادرة "حزب الله" إلي إشعال الوضع في لبنان، سيدفع بسورية إلي استخدام أوراقها الأمنية لفرط تركيبة "حزب الله" الذي طالما تغني بأنه تمكن من جمع العشائر والعائلات والمناطق وصهر تمايزاتها وصراعاتها فيما بات الحزب يسميه جمهور حزب الله، فبروز حركة عائلية أمنية وعسكرية ومرجعية عائلية عشائرية سيدفع ببقية العائلات والعشائر إلي التصرف بالمثل علي قاعدة حفظ خصوصياتها، وهو ما يعني عملياً تفكك عصب "حزب الله" وتشتيت قوته وخلق صراعات في بيئته تجعله في مواجهات شبيهة بالمواجهات التي يعيشها النظام في سورية، الذي يبدو أنه قرر أن يتعاطي مع "حزب الله" علي قاعدة "عليّ وعلي أعدائي يا رب"، ولكن الأخطر هو أن الكثير من مقاتلي "حزب الله" صاروا يرفضون الذهاب للقتال في سورية، باعتبار أن هذه ليست قضية مقاومة، ولا قضية شيعية، كما أن هناك الكثير من المخاطر التي تواجههم، خاصة بعد تزايد عدد القتلي من "حزب الله" في سورية.
إذاً القرار الإيراني بتشكيل "حزب الله" السوري، انطلق من المخاوف علي المصالح الإيرانية في سورية، ومن الخوف من سقوط "حزب الله" ضحية لوقوفه مع سورية، مع العلم أن طهران تعتمد علي الحزب اللبناني، ليكون أداة رئيسية في خدمة سياستها في المنطقة كقوة إقليمية، وبدونه ستفقد كل نفوذ في منطقة الشرق الأوسط.
وحسب التقرير فإن جعفري أصدر فوراً أوامره لضباطه المتواجدين في سورية ببدء عملية تجنيد وتأطير لسوريين في تنظيم علي غرار "حزب الله" اللبناني، والواقع أن الظروف تسهل عمل هؤلاء الضباط، إذ إن حالة من القلق تسود في أوساط العلويين الذين وضعهم نظام بشار في مواجهة مذهبية مع الأكثرية السنية، وفي أجواء القلق هذه من السهل تجنيد عناصر تشعر بالحاجة إلي أية وسيلة للدفاع عن الوجود.
المتشيعون أعضاء الحزب الجديد
وحسب التقرير فإن المصدر الرئيسي لأعضاء "حزب الله" السوري الجديد هم المتشيعون، وهم السوريون من العلويين أو السنة الذين نجحت إيران في تحويلهم إلي المذهب الشيعي والإمان بولاية الفقيه.
فجمعية "آل البيت" التي يرأسها السفير الإيراني السابق في دمشق محمد حسن أختري، كانت ناشطة في سورية وأدت أنشطة الجمعية التي تتبع مباشرة مكتب المرشد الأعلي لإيران آية الله خامنئي ومنوط بها تخطيط وتمويل مراكز شيعية حول العالم إلي اتساع الحوزة العلمية في دمشق، حتي باتت ثالث أكبر حوزة في العالم بعد حوزة قم في إيران وحوزة النجف في العراق.
واليوم يوجد في سورية نحو 500 حوزة علمية وحسينيات تتوزع علي المدن المختلفة، يدرس بها الآلاف من رجال الدين الإيرانيين، فيما تدشن جمعية آل البيت لبنك إسلامي وتلفزيون ومؤسسة نقد إسلامية من أجل دعم العلاقات بين البلدان الإسلامية، فالنفوذ الإيراني في سورية ليس نفوذاً مذهبياً فقط، وإنما هو نفوذ سياسي واجتماعي ومذهبي وعسكري أيضاً، هناك بناء حسينيات للأقلية الشيعية في قري حلب وأدلب وللقري المتشيعة حديثاً في جسر الشور وبعض القري الأخري، ولا تخضع جمعية آل البيت الإيرانية في دمشق لإشراف أي جهة في سورية، تتبع فقط لسلطات السفير الإيراني في سورية، وعبرها يتم تمويل بناء الحسينيات والحوزات العلمية، وهذا التمويل أيضاً لا يخضع لإشراف السلطات السورية، بل يتم كلياً تحت إشراف السفارة الإيرانية في دمشق، وربما من هنا تأتي صعوبة تحديد حجم إنفاق جمعية آل البيت داخل سورية.
ويعتقد الكثيرون أن التشيع يتجاوز الفضاء الديني إلي الفضاء السياسي، بمعني أن الهدف الأساسي من مد نفوذ المذهب الشيعي هو مد نفوذ سياسي، وليس مجرد تحويل عدة آلاف من الأشخاص من المذهب السني إلي الشيعي.
ومركز الدعوة الشيعية يقع في مسجد السيدة زينب في ضاحية دمشق الجنوبية مبني علي قبر يعتقد أنه للسيدة زينب بنت علي ومركز ينب هو أكبر مركز شيعي في سورية تكثر حواليه الحوزات والحسينيات بحيث تعتبر حوزة السيدة زينب عندهم هذه الأيام ثالث أكبر حوزة في العالم بعد النجف وقم، وفي هذا التمركز تتم المحاضرات وتقام الاحتفالات والنياحة في مناسباتهم المختلفة وفيه تقدم وجبات لإطعام وتوزع الكتب ونحو ذلك وفيه مكاتب علماء الشيعة في العالم الذين يسمونهم مراجع، وقد استطاع الشيعة بناء مسجد في حي العمارة بمنطقة السادات بدمشق يدعي مسجد رقية، بحيث صار من مراكزهم، وفي شارع الأمين جانب شارع مدحت باشا لديهم مكتب نشط مختص في الدعوة للتشيع وهو عبارة عن شقة فيها مكتبة وكمبيوتر وتعقد فيها محاضرات، وندوات ومن أوجه نشاط الشيعة في دمشق:
– إقامة المعارض التي تتضمن كتباً إسلامية ككتب اللغة مثل كتب ابن هشام بأسعار رخيصة "طبعات شعبية" مع وضع كتب الشيعة ضمنها وأحياناً يضعون معها بعض كتب المنسوبين لأهل السنة التي فيها تأييد بعض دعاويهم ضد الصحابة مثل كتب أبو رية وأضرابه، وهذه المعارض تقام إما في المركز الثقافي الإيراني في ساحة المرجة "الملحقية الثقافية" أو في المزة "السفارة" أو المكتبة المركزية للجامعة.
– الندوات التي تقام بين الحين والآخر تارة في مكتبة الأسد وتارة في المراكز الثقافية أو في السيدة زينب والتي كان آخرها في مكتبة الأسد ولوحظ فيها مشاركة واسعة لأساتذة كلية الشريعة ومحاباة واضحة ونفاق وتمييع الخلاف بين السنة والشيعة.
– المهرجانات الخطابية التي تتم في أعيادهم كذكري عاشوراء ويتركز نشاطهم في هذه المواسم إما في الست زينب أو في حي الأمين.
– شراء وإحياء مشاهد موهومة ونسبتها لآل البيت كما حصل في حي العمارة وكما حصل في عذرا وفي داريا.
– تسهيل وتشجيع الدراسة في حوزات السيدة زينب، حيث تكون مجاناً مع راتب شهري للطالب دون اشتراطات.
– تشجيع المتشيع الجديد بكل الوسائل والمغريات بدءاً من المد المالي وتسهيل عمله وانتهاءً بتزويجه أو تمتيعه وعلي الجملة فالدعم مادي ومعنوي.
"ضاحية جنوبية" في الساحل السوري
وتوقع المصدر الغربي أن يسعي "حزب الله" السوري بعد اكتمال تكوينه وتسليحه إلي إقامة ما يسمي بـ "الضاحية الجنوبية" في الساحل السوري، علي غرار الضاحية الجنوبية لبيروت، وذلك حتي يظل في سورية ما يمكن اعتباره "مسمار جحا" لإيران في حال اضطرار بشار الأسد وأعضاء نظامه إلي الهروب من دمشق واللجوء إلي المناطق العلوية، ويعتمد هذا المسعي علي مدي نجاح ضباط الحرس الثوري في تشكيل وتقوية "حزب الله" السوري، وتوفير عدد كبير من الأعضاء فيه.









اضف تعليق