الرئيسية » أرشيف » الحرب السورية تدخل مرحلة الحسم
أرشيف

الحرب السورية تدخل مرحلة الحسم

بعد مرور عشرين شهراً تقريباً علي الانتفاضة الشعبية في سورية، يبدو أن الحرب الداخلية في البلاد تقترب من مرحلة حاسمة. فمنذ أوائل أكتوبر "تشرين الأول" أصبحت قوات الثوار في موضع الهجوم في المناطق الرئيسية بينما أصيبت قوات النظام بالإجهاد والإرهاق وأصبحت في موضع الدفاع بشكل متزايد فضلاً عن فقدانها السيطرة علي بعض المناطق. وقد أخذ الصراع يتطور من حرب استنزاف "سقط فيها ضحايا من الجانبين بصفة أساسية" إلي حرب مواقع استطاعت فيها قوات الثوار الاستيلاء علي نقاط تفتيش وتقليص وجود النظام في المحافظات وإغلاق الطرق والضغط علي المعاقل والمنشآت الرئيسية للنظام. فإذا لم يحدث تغيير كبير في نهج بشار الأسد أو في التدخل المكثف من قبل "حزب الله" وإيران، فمن المحتمل أن يستمر الوضع العسكري للنظام السوري في التدهور، وربما بشكل كبير، في الأسابيع المقبلة.

عمليات قوات الثوار
وقال تحليل سياسي لجيفري وايت من "معهد واشنطن": ربما لم يملك الثوار حتي الآن هيكلاً سياسياً أو قيادة عسكرية أو استراتيجية وطنية موحدة لحربهم ضد النظام قبل تأسيس الجيش الوطني، إلا أن الآثار المتراكمة علي عملياتهم العسكرية هائلة ومتصاعدة. وعلاوة علي ذلك، فهم يمتلكون المبادرة العسكرية في مناطق رئيسية من البلاد.

وتدعم العمليات العسكرية التي يشنها الثوار عدة أهداف رئيسية. أولاً، هم يلحقون خسائر متزايدة في الأفراد والمعدات التابعة للنظام بما في ذلك الدبابات والمركبات المقاتلة والطائرات. ووفقاً للخسائر اليومية الواردة من "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، فقد بلغ معدل عدد الذين لقوا حتفهم في صفوف قوات النظام ما يقرب من50  فرداً يومياً في أكتوبر "تشرين الأول" في زيادة علي العدد 35  المسجل في سبتمبر "أيلول". وفي الأحد عشر يوماً الأولي من نوفمبر "تشرين الثاني"، زادت النسبة إلي53  فرداً. ويجب أن يضاف علي هذه المحصلة الجرحي والأسري بالإضافة إلي المنشقين. وفي سياق متصل، بلغ متوسط الاشتباكات التي أوردتها التقارير بين قوات الثوار والنظام إلي ما يقرب من 25 اشتباكاً في اليوم في الشهر الماضي بزيادة علي العدد 18 المسجل في سبتمبر "أيلول". وكانت الأرقام الإجمالية التي سجلت في أكتوبر "تشرين الأول" والتي بلغت764  هي أعلي معدل شهري منذ اندلاع الحرب.

ثانياً، تُقلِص قوات الثوار من وجود قوات النظام وتأثيرها "خاصة في المناطق الريفية ولكن أيضاً في المناطق الحضرية المهمة" وذلك عن طريق الاستيلاء علي المواقع العسكرية أو إجبار الحكومة علي تركها تحت ضغط منهم. وحتي في المناطق التي تكون فيها قوات النظام قوية نسبياً، تقاتل قوات الثوار من أجل السيطرة عليها.

ثالثاً: تقطع قوات الثوار شبكات الطرق الرئيسية خاصة في محافظتي إدلب وحلب، وعلي نحو متزايد في محافظة الرقة. ويعيق هذا التصرف من قدرة النظام علي نقل قواته إلي المناطق المهددة ويجبرها علي حماية مواقعها. ويسهم هذا بدوره في عزل مواقع النظام في المناطق المتنازع عليها بما في ذلك قواعد إطلاق المدفعية والمطارات الجوية. وعلي الرغم من أن الثوار لا يزالون يواجهون صعوبة في اجتياح مواقع القوات النظامية المهمة، إلا أنهم قادرون علي محاصرتها ومضايقتها مما يحد من قابليتها ويجبر النظام علي الدفاع عنها.

رابعاً: تهاجم قوات الثوار مواقع قوات النظام ومنشآته للحصول علي الأسلحة والذخائر. وكل موقع يستولون عليه يمدهم ببعض منها وأحياناً بكميات كبيرة. وتشكل نقاط التفتيش ومنشآت الدفاع الجوي الأهداف المفضلة عليهم.

وبشكل إجمالي، تواصل العمليات العسكرية التي تشنها قوات الثوار الضغط علي النظام في العديد من الجبهات. وربما لا يكون هذا جزءاً من استراتيجية كبيرة ولكن مجموع هذه العمليات له تأثير مشابه. وقد أدي القتال في العديد من الأماكن إلي إنهاك القوات النظامية مما حرمها من القدرة علي تجميع أعداد غفيرة من قوات الحكومة لشن هجمات كبيرة.

استراتيجية النظام السوري وعملياته
أصبح الموقف العسكري للنظام مضطرباً بشكل كبير خاصة في محافظاتي إدلب وحلب في الشمال كما امتد أيضاً ليشمل المحافظات التي تقع شرق سورية.

ويتزايد الضغط في منطقة دمشق أيضاً. وهناك العديد من العوامل والاتجاهات المهمة التي تعيق قوات الأسد وهي: تضاؤل قدراتها الهجومية فضلاً عن أن جهودها الحثيثة الرامية إلي الحد من مكاسب الثوار أو قلبها رأساً علي عقب باستخدام القوات الجوية والمدفعية لم تغير مسار الصراع بشكل جوهري. وبالرغم من ذلك، لم يغير النظام من الأسلوب الذي ينتهجه في هذه الحرب.

وهو لا يملك استراتيجية سياسية أو إمكانية لتطوير استراتيجية كهذه، لذلك أصبح القتال هو الخيار الوحيد.

وفيما يتعلق بالاستراتيجية العسكرية، يستمر النظام في الدفاع عن كل المناطق التي يواجه فيها تحدياً – ولدوافع سياسية، فهو غير مستعد أن يتخلي بشكل كامل عن أي جزء من البلاد. وقد حاول النظام السيطرة علي جميع المدن الرئيسية والمراكز الإقليمية الحيوية والحفاظ علي وجوده في المناطق الريفية.

وغالباً ما ترتب علي هذا النهج هو تعرض وحدات النظام الصغيرة للهجوم وتعرض الوحدات الكبيرة للعزلة والإجهاد. بالإضافة إلي ذلك، فإن هذا الأسلوب يدفع القوات النظامية إلي خوض معارك استنزاف داخلية مثل القتال للسيطرة علي مدينة حلب والمعسكر الحربي في "وادي الضيف" في محافظة إدلب. وتستنفد هذه الاشتباكات موارد النظام دون تحقيق مكاسب عسكرية كبيرة.

كما سعي النظام إلي الحفاظ علي خطوط سيطرته المؤدية إلي المحافظات الشمالية والشرقية لاسيما في إدلب وحلب. وإذا لم يفعل ذلك فسوف يعرض قواته هناك إلي العزلة مما قد يؤدي إلي انهيارها أو هزيمتها وخسارة المحافظات نفسها.

ومن خلال تنفيذ هذه الجهود، يُعوِّل النظام السوري علي الاعتماد بصورة أكثر علي القوات الجوية وسلاح المدفعية الميدانية الكبيرة لوقف تقدم الثوار ودعم الهجمات المضادة المحلية وإيقاع خسائر في صفوف قوات الثوار والانتقام من السكان المدنيين. بالإضافة إلي ذلك، يستخدم النظام السوري قوات غير نظامية بشكل أكبر "مثل الشبيحة" وميليشيات "اللجان الشعبية" لتخفيف العبء الواقع علي كاهل قواته النظامية المقاتلة. وتتورط هذه القوات غير النظامية بشكل كبير حالياً في الاشتباكات وتتعرض لخسائر كبيرة.

وأخيراً، يبدو من الواضح أن التدخل المباشر لـ "حزب الله" آخذ في التزايد. فقد وردت تقارير مفادها أن بعض قوات "حزب الله" في لبنان قصفت أهدافاً عبر الحدود، في حين انضمت عناصر أخري إلي الاشتباكات الميدانية في سورية نفسها مما جعلها تتكبد خسائر كبيرة في الأرواح في تلك العمليات.

الميادين الحاسمة للمعركة
في المرحلة القادمة، من المحتمل أن يتحدد مصير النظام في ثلاثة ميادين رئيسية للحرب. أولها القتال في إدلب وحلب الذي تتسارع وتيرته وتتحول دفته أكثر فأكثر ضد النظام السوري. وقد فقدت قوات الأسد أراضي ومواقع في إدلب وتم قطع خطوط السيطرة داخل المحافظة أو غلقها. كما حاصرت قوات الثوار أيضاً المطار العسكري الرئيسي للنظام في تفتناز. وتواجه مدينة حلب خطر العزل بشكل متزايد من الغرب والجنوب والشرق كما يحاصر الثوار المعاقل الرئيسية للنظام بالقرب من بلدتي الأتارب ومناخ في محافظة حلب أو يضعونها تحت ضغط.

كما ازدادت حدة الاشتباكات في ريف دمشق وحتي داخل العاصمة نفسها. فقد اندلعت اشتباكات عنيفة هناك حيث تحاول قوات النظام المحافظة علي سيطرتها علي الضواحي مع وضع حد لوجود قوات الثوار داخل المدينة – وبعبارة أخري تقاتل قوات الأسد الآن للدفاع عن مركز النظام السوري. والقتال المكثف هناك يعني أيضاً أن النظام لا يزال أقل قدرة علي تعزيز ميادين مهمة أخري للمعركة.

كما تتنامي الثورة في الشرق أيضاً. ففي محافظة الرقة، تتزايد عناصر المعارضة المسلحة بشكل مستمر، حيث قامت بالاستيلاء علي أراضي قرب الحدود التركية "مثل تل أبيض وسلوك" إلي جانب إغلاق الطرق السريعة الرئيسية المؤدية إلي محافظتي الحسكة ودير الزور في العديد من النقاط. وقد أوردت بعض التقارير أن الثوار هناك قاموا بإيقاف العديد من القوافل من بينها شاحنات وقود وتعزيزات متجهة من الحسكة إلي الرقة. وقد شهدت الحسكة التي كانت تعتبر إحدي أكثر المحافظات هدوءاً في سورية زيادة واسعة النطاق في المعارك هذا الشهر من بينها الاستيلاء علي معبر رأس العين الحدودي مع تركيا إلي جانب اشتباكات اندلعت في عدة مواقع أخري في الشمال. وقد هرع النظام إلي إرسال تعزيزات إلي رأس العين ونشر مروحيات مقاتلة في المنطقة إلا أنه لم يستطع وضع حد لهذه الاضطرابات.

وعلي الرغم من أن الموقف في هذه المناطق يعتبر أكثر أهمية بالنسبة للنظام السوري إلا أنه لا يستطيع تجاهل الصراع في مناطق أخري. فلا تزال محافظات دير الزور ودرعا وحماة وحمص تشهد معارك كبيرة وبموازاة ذلك شهدت محافظتا اللاذقية والقنيطرة زيادة في النشاط العسكري.

نظرة استشرافية إلي المستقبل
ربما تقترب الحرب في سورية من الوصول إلي مرحلة حاسمة تكون في صالح الثوار. وتعتبر قدرة النظام السوري محدودة من ناحية استعادة سيطرته علي بعض المناطق المهمة، كما أنه يواجه ضغوطاً متزايدة للحفاظ علي مواقعه في مناطق أخري. وقد يكون أفضل ما يتمناه النظام السوري هو وضع حد لمكاسب الثوار أو إبطائها.

وما لم يُحدث النظام تغييراً جوهرياً في الأسلوب الذي ينتهجه في هذه الحرب فيبدو أنه ليس هناك رجعة عن الاتجاه الذي تسير فيه الحرب. ويمكن أن يشمل ذلك قيام النظام في النهاية باستخدام الأسلحة الكيماوية أو حدوث تدخل كبير من قبل "حزب الله" وإيران أو تقهقر النظام من المحافظات المهددة بغية تعزيز قواته.

كما أن المساعدات العسكرية الخارجية للثوار يمكن أن تُحدث تحولاً في الموقف بشكل أكثر سرعة وحسماً لصالحهم، ومن المحتمل أن تستبق أي تحرك يقوم به النظام نحو اتخاذ إجراءات متطرفة. فهذه المساعدات ستتيح للثوار الدفاع عن المدنيين بشكل أفضل وستعمل علي تعزيز المناطق التي سيطروا عليها وتؤدي إلي تقليص معاقل النظام بشكل أسرع إلي جانب زيادة استنزاف قوات النظام والتقليل من استنزاف قواتهم، حيث يلقي حالياً نحو40  فرداً حتفهم يومياً. وبعبارة أخري، فإن ذلك سيخفض مدة الحرب.

وأخيراً، فإن تقديم مساعدات عسكرية في أقرب وقت إلي المجموعات المناسبة – وبالتحديد تلك المقبولة سياسياً من قبل الغرب والفعالة عسكرياً – قد يساعد علي تجسيد الوضع في سورية ما بعد الأسد بشكل يخدم المصالح الأميركية. كما أنه سيمكن هذه المجموعات من لعب دور أكثر حسماً في نتائج هذه الاشتباكات والمطالبة بدور أكثر محورية في الإطاحة بالنظام. وهذه المساعدات ستضعهم في وضعية أفضل في الصراع ما بعد سقوط الأسد، ذلك الصراع الذي سيحدث، مع مجموعات أخري خاصة المتطرفين الإسلاميين.