الرئيسية » رئيسى » رجل الجزائر القوي..بمن يضحي قايد صالح هذه المرة ؟
تقارير ودراسات رئيسى

رجل الجزائر القوي..بمن يضحي قايد صالح هذه المرة ؟

تحوَّل رئيس أركان الجيش الشعبي، قايد صالح، مع توالي الأحداث والتغييرات الكبرى بالمناصب العليا في مفاصل الدولة الجزائرية، من مجرد قائد عسكري رفيع إلى واحد من أبرز صناع القرار في البلاد، ورغم تأكيده المستمر على عدم التدخل في الحياة السياسية ، فإنه من الصعب تجاوزه في صياغة  مستقبل الرئاسة إذ يرى البعض أنه سيكون صانعاً للرئيس الجزائرى المقبل.

فقد  كانت دعوة قائد الجيش فى مارس الماضى بمثابة انقلاباً ناعماً على بوتفليقه  وذلك  حين طالب  المجلس الدستوري بالاجتماع من أجل النظر في شغور منصب الرئيس، لتفعيل المادة 102 التي تنص على أن منصب رئيس الجمهورية يُعتبر شاغرًا في حالة وجود مانع صحي يحول دون أدائه مهامه الدستورية وبعد أن يتم التأكد من حقيقة هذا المانع بكافة الوسائل المتاحة، يجتمع المجلس الدستوري ليبلغ البرلمان بثبوت المانع، وتشير المادة في باقي فقراتها إلى أن رئيس مجلس الأمة يتولى رئاسة الدولة بالنيابة لمدة لا تزيد عن 45 يومًا بعد إعلان البرلمان ثبوت المانع، وفي حالة استمرار مرض الرئيس يتم تنظيم انتخابات رئاسية جديدة بعد 90 يومًا.

أحجار الدومينو التى تساقطت الواحدة تلو الآخرى تشير إلى أن الرجل القوى فى الجزائر أحكم قبضته على خصومه إذ لم يتوقف الأمر على استقالة الرئيس فى إبريل الماضى ودخول البلاد إلى مرحلة انتقالية تمهيداً لإجراء الانتخابات واختيار رئيس جديد بل امتدت إلى اعتقال ظل الرئيس وأبرز أقطاب النظام، للتحقيق معهم في تهم من قبيل “المساس بسلطة الجيش والمؤامرة ضد سلطة الدول وفى مقدمتهم  شقيق بوتفليقة، السعيد بوتفليقة، ورئيسي المخابرات السابقين عثمان طرطاق، ومحمد مدين (الجنرال توفيق).

سقوط حكام الظل على الرغم من كونه فيما يبدو محاولة لاسترضاء الشارع الغاضب وتهدئته لاسيما بعد مثول أحمد أويحيى رئيس الوزراء السابق أمام المحكمة الأسبوع الماضي بتهم فساد غير أن مراقبين يشككون بنوايا قايد صالح   ويرون بحملة الاعتقالات نوعا من تصفية الحسابات بين رئيس الأركان  ورؤوس النظام السابق وأنه يسعى لاستثمار الحراك الشعبى لإحكام قبضته على السلطة محاولاً بالوقت ذاته إقناع الرأى العام بأنه يتجاوب مع مطالبه ويتصدى لأفراد “العصابة”  على حد تعبيره .

مايدور خلف الكواليس بقصر المرادية  ينبىء بتأويل تلك الأحاديث إذ ان  العلاقة  بين رئيس الأركان وسعيد بوتفليقة شابها التوتر فى الآونة الأخيرة  لاسيما وأن سعيد  ظل يحكم الجزائر من وراء ستار  عقب إصابة شقيقه بجلطة فى عام 2013 مستعيناً فى ذلك بشكبة واسعة من العلاقات وكان يروج بأنه الوريث المحتمل لعبد العزيز بوتفليقه ,  وقبل أشهر من إعلان ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة، وتحديداً فى سبتمبر  2018 أطاح بوتفليقة بنحو 80 المائة من القيادات الأمنية والعسكرية، وقال مراقبون حينها  إن هذه الحركة ليست من صنع بوتفليقة بل هي قرار صالح نفسه ملمحين إلى أن السعيد بوتفليقة كان يصدر مراسيم الإقالات باسم الرئيس بما يعنى وجود مركزين للقوى بالساحةحينذاك , الجناح الأول بقيادة صالح والثانى بزعامة شقيق بوتفليقة لكن مع بدء الحراك تغيرت المعادلة وكان يتعين على قائد الأركان التحرك لإزاحة شقيق الرئيس قبل أن يطيح به  وعقب بيان كاذب نشرته قناة الشرق أدعت به إقالة صالح , نقلت وكالة الأنباء الجزائرية عن رئيس أركان الجيش  قوله بعد اجتماع مع كبار الضباط بإنه ” يجب التطبيق الفوري للحل الدستوري المقترح المتمثل في تفعيل المواد السابعة والثامنة و102 ومباشرة المسار الذي يضمن تسيير شؤون الدولة في إطار الشرعية الدستورية”.

يضاف إلى ذلك  أن قايد صالح  ساعد الرئيس بوتفليقة في التخلص من الفريق محمد مدين المعروف بـ”الجنرال توفيق  في  2015. ” فقد كان رئيس دائرة الاستعلام والأمن وهي قيادة الاستخبارات الجزائرية التابعة لوزير الدفاع لكن في أرض الواقع كانت تمثل “دولة داخل الدولة, . لذلك بات التحالف بين “سعيد والجنرال توفيق ” خطراً محدقاً على قايد الصالح ولعل هذا ما يفسر  الإنذار الأخير الذى وجهه رئيس الأركان للجنرال توفيق بشكل واضح في خطاب يوم 16 أبريل الماضي واتهمه بالمساهمة في تنظيم “اجتماعات مشبوهة تهدف للتآمر على مطالب الشعب”، قبل أن يهدده بـ”إجراءات قانونية صارمة”. لكن بحسب مصادر مطلعة فإن الاجتماعات كانت تستهدف شخص رئيس الأركان  و ترمى إلى وضع خطة تتضمن إنشاء هيئة رئاسية والتخلص من قايد صالح لهذا قام بخطوة استباقية واعتقل خصومه من رموز الدولة العميقة ضارباً بذلك عصفورين بحجر واحد .

“يتنحاو قاع” أى ” ليرحلوا جميعا” الصيحة التى لايزال الشارع الجزائرى متشبثاً بها تؤشر إلى ان ثمة تطورات متلاحقة ومرتقبة  بالمشهد قد  تتضمن التضحية  بوجوه جديدة  من رموز النظام وعلى رأسهم الرئيس الانتقالي عبد القادر بن صالح ورئيس الوزراء نور الدين بدوي , ففي أول مظاهرة منذ بداية شهر رمضان. ، نزل آلاف الطلبة الجزائريين إلى الشوارع في العاصمة مطالبين بإزاحة النخبة الحاكمة في البلاد وحمل المحتجون أعلام الجزائر وسط العاصمة التي تشهد مسيرات مناهضة للحكومة منذ 22 فبراير/ شباط الماضي، ورفع بعضهم لافتات تدعو إلى رحيل كل أفراد النخبة الحاكمة بما فيهم قايد صالح نفسه . وقال أحد المتظاهرين “لن نستسلم، المعركة ستستمر”. كما أفادت تقارير إعلامية بخروج آلاف المحتجين إلى الشوارع في مدن أخرى منها وهران وتيزي وزو وقسنطينة ورددوا هتافات مناهضة للحكومة.

عمليّة التّطهير قد تكون محاولة من جانب قايد صالح لإخلاء الساحة السياسية من جميع  منافسيه المحتملين لكنها بذات الوقت تتوافق إلى نحو بعيد  مع مطالب المحتجين في مُكافحة الفساد واجتِثاث رموزه، ومُحاكمة كل العناصر التي قادت البِلاد إلى حالة الضّعف والانحدار التي تعيشها. حيث طالت حملة الاعتقالات جمال ولد عباس، الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، وسعيد بركات، وزير الصحة الأسبق، ومحمد لوكال، وزير المالية الحالي، وشكيب خليل، وزير الطاقة الأسبق، كلهم يواجهون تهما متعددة حول شبهات فساد مالي.

كما أن المحاكمات المالية وصلت كذلك إلى عدد من رجال الأعمال، فقد اعتُقل علي حداد، الصديق المقرّب للسعيد بوتقليقة، ورئيس منتدى رؤساء المؤسسات، وكذلك اعتُقل الأشقاء الثلاث كونيناف، ولم تستثنِ الاعتقالات حتى يسعد ربراب، أغنى رجل في الجزائر، رغم خروجه في المظاهرات ضد بوتفليقة. كما عاد مدير الشرطة السابق، عبد الغني هامل، إلى الواجهة، لأول مرة منذ إقالته عام 2018، بعد بدء محاكمته رفقة نجله، فضلاً عن مسؤولين آخرين.

لهذا تظل مرافقة التغيير نقطة تحسب لقيادة الأركان،كما يظل الرهان معقوداً على  إمكانية قبول الشارع به لاسيما وأن المعارضة في البرلمان لم تنجح في تقديم شخصية تحشد الإجماع، والشارع لم يتوحد على اسم معين  رغم المطالبات المتكررة بدولة مدنية .