لو كانت بلادك مدمّرة وطلبتُ منك أن تستقبل في منزلك شخصاً غريباً فاراً من الحرب، مع علمك بأن ذلك قد يجعل مبناك هدفاً للصواريخ، هل ستوافق؟
أظن أنه إذا كنت جالساً براحة في مكان آمن وبعيد، وكان السؤال افتراضياً، فستقول نعم، وربما ستتحدث عن الإنسانية وعن أن الحياة هي مواقف تُتخذ.
لكن إذا لم يكن السؤال افتراضياً، وكنت في لبنان وتواجه خطراً حقيقياً، فستكون غريزتك الرفض. لا يوجد أي خطأ في ذلك. هذا يُسمّى البقاء. واليوم نشهد هذا الوضع يتجلى في البلاد لحظة بلحظة. وبما أن الغالبية من النازحين هم من الطائفة الشيعية، فإنك ستُتهم بالإضافة إلى ذلك بالعنصرية.
مع اتفاق الولايات المتحدة وإيران على هدنة لا يبدو أنها تشمل لبنان، حان الوقت للطائفة الشيعية في لبنان أن تسأل نفسها: لماذا هذا الألم؟ حزب الله دخل حرباً للدفاع عن سيده إيران، التي تنسحب لاحقاً وتترك لبنان كله في الوحل. وبينما كان وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يسرد تدمير أهداف إيرانية أدت إلى وقف إطلاق النار، كانت الأخبار تتحدث عن قصف إسرائيلي للبنان. لنرَ كيف ستتطور الأمور، لكن على نطاق أوسع. لقد تحوّل لبنان كله إلى هدف بسبب أفعال حزب الله لصالح طهران.
ومع ذلك، لا شك أنه مع وجود عدد كبير من النازحين داخلياً، ومعظمهم من الطائفة الشيعية، نشهد ارتفاعاً في التوترات الطائفية في لبنان. قبل أيام قليلة فقط، أدى قصف إسرائيلي على مبنى في عين سعادة، وهي منطقة ذات غالبية مسيحية قرب بيروت، إلى مقتل ثلاثة أشخاص على الأقل. ومن بينهم بيار معوض، وهو مسؤول في القوات اللبنانية معارض لحزب الله، وزوجته. وكان المبنى قد نجا إلى حد كبير من القتال السابق، ولا يزال الهدف الدقيق للقصف غير واضح. وقد اعترف الجيش الإسرائيلي بأنه استهدف “هدفاً إرهابياً” لكنه قال إن المدنيين لم يكونوا مقصودين. وهذه ليست الحالة الوحيدة، إذ وقعت عدة حوادث أخرى وضعت أحياء كاملة في دائرة الخطر. والحقيقة أن معظم اللبنانيين يعتقدون فعلاً أن الأهداف كانت عناصر من حزب الله. ومن البديهي، على مستوى الاستخبارات، أن الوكيل الإيراني مكشوف تماماً لإسرائيل، ما يجعله غير ذي جدوى وبمثابة عبء على البلاد.
هذه الهجمات أدت بالتالي إلى تصاعد التوترات الطائفية، إذ يخشى البعض أن يؤدي وصول نازحين من مناطق مرتبطة بحزب الله إلى استدراج ضربات إضافية. وتحقق السلطات اللبنانية في عدة حوادث، لكن ذلك لا يطمئن المناطق التي تشهد تدفقاً كبيراً للنازحين؛ إذ لا توجد إجراءات قادرة على تغيير الوضع في هذا المستوى. كما أشار البعض إلى ضرورة التدقيق في المستأجرين الجدد، ويدعو سياسيون مثل النائب البيروتي فؤاد مخزومي، وهو سني، إلى تسجيل النازحين لمنع الأذى عن المدنيين. والحقيقة أنه إضافة إلى هذه الضربات، هناك مستوى من الفوضى والازدحام في شوارع لبنان يفتح الباب أمام اشتباكات أو حتى جرائم، ولا أحد يملك القدرة على إدارة الوضع.
في حين أن جيلاً جديداً من المحللين الجيوسياسيين الغربيين على إنستغرام يصوّر حزب الله على أنه نسيج من نسيج المجتمع اللبناني، وأن كل من يقول العكس جاهل، فإن الواقع الحالي يثبت أن حزب الله ليس جزءاً من المجتمع اللبناني. هذه صفحة مؤقتة من تاريخ لبنان، وسرعان ما ستتحرر الطائفة الشيعية من هذه الأيديولوجيا المفروضة عليها. ومن يريد أن يجعل حزب الله ممثلاً للطائفة الشيعية إنما يسيء ليس فقط لهذه الطائفة بل للبلد كله.
يجب تفكيك الأدوات الاجتماعية التي يستخدمها حزب الله للسيطرة على الطائفة الشيعية. يجب أن تكون الدولة أو حتى المجتمع المحلي هو من يوفّر الرعاية والصحة لسكانه. ولهذا حان الوقت لمعالجة السبب الجذري لهذه الضربات والدمار، والانتقال إلى مرحلة “نزع حزب الله” من لبنان. أي كيان أو منظمة مرتبطة بحزب الله وبالنظام القديم في طهران يجب تفكيكه، ومصادرة جميع أصوله من قبل الدولة. وأي شخص مرتبط بأعمال حزب الله الإرهابية يجب أن يُقدَّم إلى العدالة. نعم، هذا الكلام اليوم يبدو خيالياً بسبب ما يجري على الأرض، لكنه قريباً قد يصبح واقعاً.
يجب أن نفهم الواقع ونقبله. لن يكون هناك سلام أو هدنة أو حتى أمل بغد أفضل ما دام حزب الله يحتفظ بترسانته. لا ينبغي فقط أن يسلّمها، بل يجب أيضاً أن يدفع تعويضات للشعب اللبناني عن كل هذا الدمار الذي سببه النظام الإيراني، كما اقترح البعض. لا يمكنهم الادعاء أنهم لم يكونوا يعلمون برد الفعل الإسرائيلي. الجميع كان يعلم. طائراتهم المسيّرة وصواريخهم كانت عديمة الجدوى بينما كانت الضربات الإسرائيلية تمزق تنظيمهم، وحزب الله هو من جعل البلد كله يدفع الثمن.
هذا الوضع القائم كشف أيضاً أن الدولة اللبنانية المركزية مجرد وهم. إن التجهّز نحو الإقليمية والمحلية في لبنان سيبقى قائماً. ولهذا من المهم بناء لبنان جديد قائم على الفيدرالية، وإلا سنكرر الأخطاء نفسها. وللتوضيح، إذا كان نواب سنّة اليوم يقفون ضد حرية حركة النازحين اللبنانيين، فإنهم قبل عقود، تحت شعار الاشتراكية وفلسطين الحرة، كانوا مستعدين للتضحية بالبلد بأكمله. نحن مدينون لأنفسنا بقول هذه الحقيقة. لقد تطور حبهم للبنان في نهاية الحرب الأهلية، وهذا أمر مشجع لأنه يفتح الباب أمام تغيير مماثل داخل الطائفة الشيعية.
لكن لا يمكننا الاستمرار في تقسيم دولة مركزية عاجزة عن خدمة جميع طوائفها بحيث يصبح زعماء الطوائف هم الحكام الفعليون. يجب أن تقرر كل طائفة مصيرها ضمن إطار نظام سياسي فيدرالي. هذا هو أمل مستقبل لبنان. واليوم، الخطوة الأولى هي إنهاء الصراع ووقف استهداف اللبنانيين كل بضعة أشهر، ما يعني أن على الجيش اللبناني تنفيذ خطة الحكومة لنزع سلاح حزب الله من أجل سلامة السكان كافة.
الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى









اضف تعليق