الرئيسية » أحداث اليوم » جوزيف عون في واشنطن.. اختبار سيادة لبنان يبدأ الآن
أحداث اليوم تقارير ودراسات رئيسى

جوزيف عون في واشنطن.. اختبار سيادة لبنان يبدأ الآن

لم تكن هذه المرة الأولى التي يزور فيها مسؤول لبناني البيت الأبيض ويحصل على الدعم. لكنها كانت المرة الأولى التي يزور فيها البيت الأبيض رئيس لبناني يمتلك الإرادة والقدرة على ضمان سيادة لبنان. وفي الوقت نفسه، جاء لقاء الثلاثاء بين جوزيف عون والرئيس دونالد ترامب في ظل رئيس أميركي يمتلك الشجاعة والاستعداد لمواجهة الدور الإيراني في المنطقة بشكل مباشر، وللمرة الأولى. لذلك، وبعيدًا عن العلاقة الإيجابية بين الرئيسين، وعن قول ترامب إن عون يمكنه أن «يحصل على أي شيء يريده»، فإن أمام لبنان اليوم نافذة فرصة كبيرة.

علينا الآن أن نضع الأمور في سياقها الصحيح. فإذا كان لبنان قادرًا اليوم على استعادة سيادته، فذلك لأن إسرائيل قضت على حزب الله عسكريًا. ويمكن للمحللين أن يفسروا ذلك كما يشاؤون، بالقول إن حزب الله لا يزال موجودًا، لكنه لم يعد يمتلك القوة التي كان يتمتع بها سابقًا. ولولا العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله والحرس الثوري الإيراني، لما كان من الممكن حتى تصور أن لبنان يمتلك فرصة لاستعادة سيادته.

وفي حين شدد عون على أهمية الانسحاب الإسرائيلي حتى تتوقف أي حركة مقاومة، أشار أيضًا إلى أن حزب الله لبناني، لكنه سلط الضوء في الوقت نفسه على النفوذ الإيراني. إلا أن الأمر لن يكون معضلة «الدجاجة والبيضة». فالآلية واضحة من خلال المناطق التجريبية، وهناك مسار واضح يسمح للبنان باستعادة السيطرة على أراضيه، بعيدًا عن النفوذ الإيراني والإسرائيلي معًا.

يمكن وضع هذا اللقاء الإيجابي في السياق نفسه الذي جاءت فيه لقاءات ترامب مع رئيس الوزراء العراقي والرئيس السوري. فمن الواضح أن الولايات المتحدة تريد تقليص النفوذ الإيراني، وبدرجات متفاوتة فإن القادة الثلاثة يتقاطعون مع هذا الهدف. لكن السؤال هو: كيف سيتحقق ذلك؟

وهل يمكن مقارنة الوضع اللبناني بعملية نزع سلاح القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، أو الجيش الجمهوري الإيرلندي في إيرلندا الشمالية، كما ذكر عون في أحد خطاباته بواشنطن؟ فهذا يعني التوصل إلى اتفاق يقضي بأن يسلم حزب الله ترسانته للدولة طوعًا. لدي شكوك كبيرة في ذلك، لكنني ما زلت أتساءل: ما الذي قد يدفع إلى حدوثه؟

إذا لم يحدث أي تغيير على الأرض في لبنان، فسيبقى البلد على مساره الحالي. ومن الواضح أن عون يتصور عملية تفاوضية تدريجية، لا نزعًا فوريًا للسلاح. وهذا ما يُنتظر أن تتضمنه المبادرة الهادفة إلى تجنب عدم الاستقرار الداخلي، مع إعادة التأكيد على أن الدولة اللبنانية وحدها يجب أن تحتكر السلاح. وأستطيع أن أقول بصراحة إنني لا أعرف كيف يمكن لهذا أن يتحقق على المدى الطويل. فمع تغير الأجندات وتأخر الجداول الزمنية، أخشى أن تؤدي هذه الاستراتيجية إلى إبقاء لبنان في حالة جمود دائمة.

إذا أخذنا مثال «فارك» الذي ذكره عون، فإن اتفاق السلام لعام 2016 لم يكن ثمرة الضغوط العسكرية والمفاوضات فقط، بل جاء أيضًا نتيجة تغيرات إقليمية أوسع في أميركا الجنوبية، أبرزها تراجع الحركات الثورية وانتهاء الصراعات الأيديولوجية المرتبطة بالحرب الباردة. ومن خلال استخدام هذا المثال، فإن عون يشير بصورة غير مباشرة إلى أن نجاح هذه الخطة يتطلب تغييرًا إقليميًا.

لكن الفارق الأساسي هنا يتمثل في رفض حزب الله نزع سلاحه، ورفض الحرس الثوري الإيراني إصدار أوامر له بذلك. فلا توجد فرصة تُذكر لأن يسلم حزب الله ترسانته طوعًا. وفي حين أن أي خطة منطقية ستفترض الانتشار التدريجي للجيش اللبناني في المناطق الخاضعة لنفوذ حزب الله، ونقل المسؤوليات الأمنية إلى الدولة، ثم تفكيك الأسلحة الثقيلة التابعة للحزب، بما في ذلك الصواريخ والقذائف والطائرات المسيّرة والبنية التحتية العسكرية، يبقى السؤال: كيف يمكن تحقيق ذلك إذا كان حزب الله يرفض؟

باختصار، حقق عون زيارة ناجحة جدًا إلى الولايات المتحدة. ولا يستطيع، ولا ينبغي له، أن يضيع هذه الفرصة. وهذا يعني أن على لبنان أن يفي بالتزاماته. لقد حان دور الدولة لإنهاء المهمة والتخلص من حزب الله. ويواصل قائد الجيش التأكيد على أن القيام بذلك سيؤدي إلى انهيار الجيش والدولة. سواء كان هذا صحيحًا أم لا، فإن النتيجة ستكون واحدة: للحفاظ على الدعم الأميركي، سيتعين على لبنان أن يتقدم نحو استعادة سيادته على كامل أراضيه.

لا أعتقد أن حزب الله سينزع سلاحه طوعًا. ولذلك، وفي ظل عدم جهوزية الجيش اللبناني، فإن أي تحرك مباشر لن يتم إلا بالتعاون مع إسرائيل و/أو سوريا، كما لمح ترامب. وهذه الحقيقة تؤكد أيضًا أن الضربات الإسرائيلية هي التي سمحت للبنان بأن يجرؤ رسميًا على طرح مسألة نزع سلاح جميع الميليشيات غير التابعة للدولة، والتخطيط لاستعادة السيادة.

يحاول عون تجنب واحد على الأقل من هذه السيناريوهات. لكن الخطة التدريجية تنطوي على خطر التعثر إذا لم تتغير الظروف الإقليمية، أو إذا تبدلت الأجندات والأولويات الدولية. وقد أثبتت التجارب السابقة أن الاعتماد الحصري على الضغوط الدولية ليس خيارًا قابلًا للاستمرار، لأن الغرب لا يمتلك مستوى الالتزام الذي يوفره الحرس الثوري الإيراني لحزب الله.

قد تؤدي المواجهة المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران إلى إحداث تحول إقليمي، وأعتقد أن ذلك قد يحدث هذه المرة. لكن لبنان تُرك خلف الركب مرات كثيرة، كمن علق في مصعد توقف في منتصف الطريق. والاختبار الحقيقي للسيادة هو ما إذا كان لبنان سيتمكن من أخذ زمام المبادرة والعمل مع شركائه الدوليين لتحقيق نزع سلاح حزب الله، من دون انتظار التغيرات الإقليمية.

الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى