بقلم: جيمس جاي كارافانو
يعتزم الرئيس الأميركي دونالد ترامب إجراء محادثات اليوم مع قادة من الشرق الأوسط. وإذا كان يريد مساعدتهم في رسم ملامح المنطقة، فلا يزال أمامه الكثير من العمل.
تدعم تحليلات الاتجاهات التاريخية بمساعدة الحاسوب، إلى جانب تقييمات مستقبلية احتمالية تستند إلى نماذج رياضية، استنتاجاً مفاده أنه، رغم توجيه إدارة ترامب ضربات مؤثرة إلى القدرات العسكرية الإيرانية، فإنها تفتقر إلى الزخم اللازم لتحقيق أهدافها ما لم تدفع نحو تغييرات محددة في سياسات الجهات الإقليمية الرئيسية.
تاريخياً، تحمي واشنطن مصالحها العالمية من خلال ممارستين أمنيتين متوافقتين. الأولى هي مبدأ «السلام من خلال القوة»، عبر بذل جهود كبيرة لتعزيز الردع الأميركي التقليدي والاستراتيجي. والثانية تتمثل في بناء شبكة من الأطراف المعنية التي تتولى مسؤولية الحفاظ على السلام والاستقرار في مناطقها. وعملياً، يُعد ترامب من أبرز المؤيدين لمفهوم «الاستقلالية الاستراتيجية»، بحيث يقوم حلفاء الولايات المتحدة وشركاؤها ببناء الأمن الإقليمي والحفاظ عليه.
ويشكل هذا النهج في الأمن الجماعي ركناً أساسياً في الاستراتيجية الأميركية، كما يتضح من جهود واشنطن لدفع الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي إلى زيادة استثماراتها الدفاعية، ومن تطوير «درع الأميركيتين». غير أن نهج ترامب يواجه تحدياً هائلاً في الشرق الأوسط، الذي يمتلك تاريخاً طويلاً من محاولات الأمن الجماعي الفاشلة.
في العصر الحديث، افتقر الشرق الأوسط تماماً إلى بنية أمن جماعي متكاملة ومتماسكة وفعالة، ولا سيما بنية تقودها قوى غربية. وهذه حقيقة تاريخية راسخة. ووجدت مراجعة أجرتها شركة SpearMind، المتخصصة في الاستشارات الاستراتيجية، أن 9 في المئة فقط من أصل 43 مبادرة أمنية إقليمية أُعلن عنها منذ عام 1945 تحولت إلى هياكل مؤسسية راسخة خلال خمس سنوات. وكانت النسبة في الشرق الأوسط أسوأ، إذ بلغت 4 في المئة فقط.
حاول الرئيس *دوايت أيزنهاور، بصورة شهيرة، تشكيل ما يشبه حلف «ناتو» للشرق الأوسط، وربما كان ذلك أحد أكبر إخفاقاته في السياسة الخارجية، كما يصفه مايكل دوران في كتابه *مقامرة آيك: صعود أميركا إلى الهيمنة في الشرق الأوسط. وقد كشف ذلك عن كثير من العقبات المرتبطة بمواءمة المصالح والقدرات في المنطقة. وفي الآونة الأخيرة، أخفق «ميثاق مكة» بين باكستان والسعودية وتركيا بالفعل في أول اختبار عملي له، والمتمثل في التعامل مع النزاع في منطقة البحر الأحمر. وفي الحالات القليلة التي نجح فيها العمل الجماعي، كان ذلك بسبب مشاركة قوة عظمى راعية، أو بسبب ضيق نطاق الهدف، أو كليهما، كما ثبت أن هذه الهياكل غير قابلة للاستمرار على المدى الطويل.
أما اليوم، فالوضع ليس أفضل بكثير. فالمنطقة تشهد اندماجاً هادئاً وغير رسمي، في وقت تتعثر فيه الجهود الرسمية، إذ تفتقر إلى الموارد والإرادة والثقة اللازمة للانخراط الكامل في إطار للأمن الجماعي.
ولتقييم ما يمكن أن يغيّر فرص قيام بنية مستقبلية للأمن الجماعي، تعاونتُ مع *SpearMind AI*، التي حاكت مستقبل المنطقة 20 ألف مرة، بالاستناد إلى أدلة جرى تصنيفها وأرشفتها من مصادر رسمية ومنشورة. وكان الهدف تحديد الإجراءات التي يمكن، من الناحية الاحتمالية، أن تؤدي إلى نتائج أكثر ملاءمة دعماً للمصالح الأميركية والإقليمية.
التاريخ ليس قيداً لا يمكن الفكاك منه. فإلى جانب توفير بنية جيوسياسية واسعة ورؤية بعيدة المدى تضمن استمرار المشاركة الأميركية في المنطقة من خلال مشاريع مثل *اتفاقيات أبراهام* و*مجلس السلام*، توجد أمثلة عديدة على جهود دفاعية تعاونية ضمنية وفعالة بين دول المنطقة، وبعضها غير مسبوق تقريباً في العصر الحديث، وقد أظهرت هذه الجهود أثناء فترات الحرب ما يعادل عملياً نظاماً للأمن الجماعي.
ومع ذلك، لا توجد مؤشرات كثيرة على أن الحاجة إلى التعاون على المدى القريب ستتحول إلى إطار إقليمي فعال، والذي سيحتاج على الأرجح إلى أن يشمل مصر والسعودية والعراق وسوريا ولبنان وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت والبحرين وعُمان والأردن، حتى يكون متماسكاً ومتكاملاً جغرافياً وجيوسياسياً بصورة كاملة.
وهذه هي أبرز نقاط التعثر:
*أولاً، مسألة الاستثمار.* هل ستقوم الدول منفردة باستثمارات دفاعية طويلة الأمد ضرورية لبناء قدرات دفاعية مستدامة، من دون شبكة أمان أميركية طاغية توفرها القوة العسكرية الأميركية؟ تشير النمذجة إلى أن الدول مجتمعة لا تنفق ما سيكون مطلوباً لبناء مظلة دفاعية كافية على المدى الطويل، كما أن هذه الالتزامات لا تُقدم إلا تحت ضغط حرب مستمرة في المنطقة.
فعلى سبيل المثال، هناك درجة عالية من الثقة في أن دول الخليج ستواصل مستوى الإنفاق الحالي، لكن درجة الثقة منخفضة إلى متوسطة في أنها سترفع الإنفاق بما يكفي لتلبية المتطلبات المستقبلية. فعلى سبيل المثال، يُقدّر أن متطلبات الدفاع الجوي والصاروخي وحدها ستتراوح بين 75 مليار دولار و250 مليار دولار على مدى خمس سنوات، مع تقدير مركزي يبلغ نحو 130 مليار دولار، وفقاً لـSpearMind AI. وسيتطلب تحقيق ذلك نحو 40 في المئة من إجمالي الإنفاق على المشتريات الدفاعية الرئيسية لمدة نصف عقد.
ومع بلوغ متوسط الإنفاق الدفاعي الإقليمي نحو *5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي*، فإن استمرار الإنفاق العسكري سيتطلب مفاضلات والتزاماً سياسياً وطنياً قوياً. ومن المرجح أن تتمكن الإمارات وقطر من تلبية مستويات الإنفاق الإضافية المطلوبة. أما البحرين والعراق والأردن، فمن المرجح أن تحتاج إلى مساعدات خارجية كبيرة لتحقيق أهداف الإنفاق. وتبقى السعودية علامة استفهام.
ويمكن للولايات المتحدة، من حيث المبدأ، رفع مستوى الثقة إلى درجة متوسطة أو مرتفعة من خلال الدفع نحو اتفاق إقليمي لتقاسم أعباء الدفاع، يتضمن أهدافاً واضحة للميزانيات والقدرات، على غرار الاتفاقات التي توصلت إليها دول حلف شمال الأطلسي. ومع ذلك، حتى لو جرى الالتزام بهذه الأهداف اليوم، فلن تدخل القدرات المحلية الجديدة المهمة حيز التشغيل قبل عام 2030. ولذلك، وللحفاظ على الزخم، سيتعين على الولايات المتحدة تقديم التزامات كضامن احتياطي خلال السنوات الخمس المقبلة.
*ثانياً، مسألة الاستدامة.* في العالم الحديث، تشكل القاعدة الصناعية الدفاعية جزءاً من الردع التقليدي، ليس فقط لتوفير القدرات اللازمة لحرمان الخصم من تحقيق نصر سريع، وإنما أيضاً لإظهار القدرة على خوض صراع طويل الأمد. فجميع الدول، بما فيها إسرائيل، تفتقر إلى القاعدة الصناعية الدفاعية اللازمة لإنتاج الأسلحة والذخائر على نطاق يتناسب مع متطلبات الردع التقليدي. وتشير النمذجة إلى أن الإنتاج داخل مسرح العمليات لن يغطي سوى أقل من 1 في المئة من الاحتياجات طويلة الأمد.
ورغم وجود احتمال متوسط في أن تسعى دول المنطقة إلى الشراء المشترك والتكامل التقني، مثل تقاسم أنظمة الإنذار المبكر، وإنشاء صورة جوية مشتركة، وتوفير قيادة وسيطرة قابلة للتشغيل البيني تحت مظلة عمليات أميركية، فإن ذلك لن يكون كافياً.
تعتمد جميع هذه الدول بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة للحصول على الأسلحة والذخائر الحيوية. وهذه البنية هشة بالنسبة للدفاع الجماعي على المدى الطويل. ولذلك، وفي حين توجد درجة عالية من الثقة في قدرة المنطقة على تشغيل إطار مدعوم من الولايات المتحدة، فإن الثقة منخفضة في قدرتها على امتلاك هيكل قوي والحفاظ عليه بصورة مستقلة. كما أن تنويع واردات الدفاع من شركاء خارجيين آخرين لن يقلل المخاطر، بل سيؤدي ببساطة إلى تفتيتها.
لا توجد دولة في المنطقة قادرة على توسيع قاعدتها الصناعية الدفاعية بما يكفي لتلبية هذا التحدي. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لديها العديد من اتفاقيات الأسلحة الثنائية، يتعين على واشنطن اعتماد سياسة إقليمية يكون هدفها الصريح بناء قاعدة صناعية دفاعية إقليمية قادرة على إنتاج ما لا يقل عن 50 في المئة من الاحتياجات الحيوية، وذلك لرفع مستوى الثقة.
ويجب أن تعمل استراتيجية صناعية دفاعية إقليمية على تطوير قدرات تخفض تكلفة الدفاع الجوي والصاروخي. ووفقاً لتحليل SpearMind AI، فإن الإنفاق على الدفاع الجوي خلال تبادل نيران مستمر سيبلغ ما بين *8.7 مليار دولار و11.7 مليار دولار شهرياً* لحماية المجال الجوي فوق السكان والبنية التحتية. علاوة على ذلك، لا يغطي الإنتاج المحلي حالياً سوى نحو 0.3 في المئة من الاستهلاك. كما أن 95 في المئة من عمليات الإمداد والصيانة لا تزال تعتمد على الخارج. والمطلوب هو تطوير خيار منخفض التكلفة لصاروخ اعتراضي محلي الصنع.
*ثالثاً، مسألة التقارب الجيوسياسي.* يتطلب الأمن الجماعي وجود تهديد مشترك يحفز الأطراف على التحرك، لكن العمل المشترك يتطلب أيضاً الثقة المتبادلة بين الدول الأعضاء. وفي حين أن تحالفاً رسمياً بموجب معاهدة، ولا سيما تحالفاً يضم الولايات المتحدة، سيزيد بدرجة كبيرة من الثقة في أي بنية أمنية مستقبلية، فإن الخلافات الأساسية بين الشركاء الإقليميين لا تجعل إطار المعاهدة غير مرجح فحسب، بل قد تجعله أيضاً ذا نتائج عكسية إذا جرى السعي إليه.
يمكن للسياسة الأميركية أن تعزز الثقة من خلال الدفع نحو حلول للقضايا الثنائية الرئيسية. فعلى سبيل المثال، تُعد العلاقات بين إسرائيل والأردن بالغة الأهمية. وفي الوقت الراهن، وصلت الثقة بين العاصمتين إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق. ويشكل الأردن عقدة رئيسية لتطوير سلاسل الإمداد العابرة للحدود، والنقل، والإنتاج الصناعي. ولن تتحقق هذه الاستثمارات في البنية التحتية من دون وجود مركز قوي للنقل والصناعة على الحدود الأردنية-الإسرائيلية، وهي مبادرة قد لا تتحقق إلا من خلال انخراط أميركي مباشر.
ويمكن لعدة تطورات أن تشير إلى تحولات في السياسة الأميركية وفي استجابات دول المنطقة، بما قد يعزز الثقة في الأمن الجماعي: أن تقوم الولايات المتحدة بإصلاح وإعادة بناء وتوسيع وجودها العسكري في المنطقة؛ وأن تعلن الشركاء الإقليميون التزامات باتفاقات لتقاسم أعباء الدفاع تتضمن أهدافاً محددة؛ وأن يلتزم الشركاء الإقليميون بتطوير برنامج محلي لصواريخ اعتراضية منخفضة التكلفة؛ وأن تمضي الجهود المشتركة لإعادة الإعمار في غزة ولبنان وسوريا قدماً.
ويبقى أن نرى ما إذا كانت بعض هذه المشاريع ستبدأ في التبلور عندما يلتقي ترامب بالقادة الأسبوع المقبل. لكن إذا لم تبدأ مثل هذه الإجراءات بالحدوث، فإن «الشرق الأوسط الجديد» الذي يجري الحديث عنه كثيراً لن يتحقق هو الآخر.
عن الكاتب: جيمس جاي كارافانو
جيمس جاي كارافانو خبير في الأمن القومي ومحارب قديم خدم في الجيش الأميركي لمدة 25 عاماً. ومن أحدث كتبه: الحرب الباردة: حرب الجبال في إيطاليا ومعركة سان بيترو عام 1943، والهيمنة الرقمية: الانتصار في عالم مترابط عبر الشبكات الاجتماعية. وهو مستشار أول للرئيس وزميل EW Richardson في مؤسسة Heritage Foundation، وقد شغل سابقاً منصب نائب رئيس معهد Kathryn and Shelby Cullom Davis Institute for National Security and Foreign Policy التابع للمؤسسة.









اضف تعليق