الرئيسية » أحداث اليوم » اليوم التالى لإيران النووية: سؤال الردع المؤجل فى الخليج
أحداث اليوم تقارير ودراسات رئيسى

اليوم التالى لإيران النووية: سؤال الردع المؤجل فى الخليج

على امتداد أكثر من عقدين، دار جزء كبير من النقاش الدولى حول سؤال واحد: كيف يمكن منع إيران من الوصول إلى السلاح النووى؟ تعاقبت جولات التفاوض، وتبدلت الإدارات والحكومات، وفُرضت العقوبات ثم رُفعت بعضها، وعادت الخلافات لتتصدر المشهد من جديد. غير أن طول أمد هذا الملف أفرز سؤالاً آخر لا يقل أهمية، وربما أصبح أكثر إلحاحاً مع تصاعد التوترات الإقليمية فى السنوات الأخيرة: ماذا لو فشلت كل تلك الجهود فى النهاية؟

لا يتعلق الأمر هنا بتوقع حدوث ذلك أو الجزم به، وإنما بالتعامل مع احتمال يراه كثير من الخبراء وارداً بما يكفى لأن يؤخذ على محمل الجد. فالدول لا تبنى استراتيجياتها الأمنية على السيناريوهات المريحة وحدها، بل على قدرتها على الاستعداد لما قد يحدث إذا سارت الأمور فى الاتجاه الأقل تفاؤلاً.

وفى حال أصبحت إيران قوة نووية عسكرية، فإن الشرق الأوسط سيدخل مرحلة مختلفة تماماً عن تلك التى عرفها خلال العقود الماضية. إذ لن يكون الأمر مجرد إضافة سلاح جديد إلى ترسانة دولة إقليمية كبرى، وإنما تحولاً يمس طبيعة التوازنات القائمة وحسابات الردع وأشكال النفوذ فى المنطقة بأسرها.

هنا تحديداً يبرز التحدى الخليجى. فالتعايش مع قوة نووية مجاورة من دون ترتيبات أمنية إضافية قد يفرض واقعاً جديداً على معادلات القوة الإقليمية، بينما يقود البحث عن برامج نووية عسكرية مستقلة إلى فتح باب سباق تسلح يصعب التحكم فى مساراته أو تقدير نتائجه. وبين هذين الخيارين تبدو الحاجة ملحة للبحث عن مسار ثالث أكثر استقراراً وأقل تكلفة على أمن المنطقة ومستقبلها.

من هذا المنطلق يطرح بعض الباحثين وصناع السياسات فكرة الردع النووى الممتد، أو ما يمكن تسميته بمظلة أمنية مدعومة من الولايات المتحدة وشركائها فى حلف شمال الأطلسى، بما يوفر ضمانات استراتيجية لدول الخليج فى حال تغير المشهد النووى الإقليمى.

ولا تبدو هذه الفكرة غريبة على التاريخ المعاصر. فخلال الحرب الباردة نجح الناتو فى بناء منظومة ردع جماعى جعلت عدداً من الدول الأوروبية الكبرى يفضل الاعتماد على الضمانات الأمنية المشتركة بدلاً من تطوير ترسانات نووية خاصة به. كما تكرر النموذج بصورة مختلفة فى شرق آسيا، حيث حافظت اليابان وكوريا الجنوبية على وضعهما كدول غير نووية رغم وجود قوى نووية فى محيطهما الإقليمى.

تكمن أهمية هذه التجارب فى أنها قدمت بديلاً عملياً بين خيارين متطرفين: القبول باختلال موازين القوى من جهة، أو الانخراط فى سباقات تسلح مفتوحة من جهة أخرى. فجوهر الردع لا يقوم على استخدام القوة، وإنما على جعل استخدامها أقل احتمالاً.

وتزداد أهمية هذا النقاش عند النظر إلى التحولات التى شهدتها المنطقة خلال الأعوام الأخيرة. فمنذ اندلاع الحرب فى غزة اتسعت رقعة المواجهات غير المباشرة، وشهدت المنطقة استخداماً واسعاً للصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف متعددة، بما فى ذلك ممرات الملاحة والبنية التحتية الاستراتيجية. وقد كشفت هذه التطورات حجم التحديات الأمنية التى باتت تواجهها المنطقة حتى فى ظل غياب السلاح النووى.

أما إذا أضيفت إلى هذه المعادلة قدرة ردع نووية محتملة، فإن حسابات الأمن الإقليمى ستدخل مستوى مختلفاً تماماً من التعقيد. فالقضية لا تتعلق بالسلاح ذاته بقدر ما تتعلق بما يخلقه من تأثير نفسى واستراتيجى على قرارات الدول وسلوكها وقدرتها على المناورة.

صحيح أن النطاق الجغرافى التقليدى للناتو لا يشمل منطقة الخليج، غير أن الواقع الأمنى العالمى تجاوز منذ سنوات طويلة الحدود التقليدية للأحلاف العسكرية. كما أن دول الخليج ترتبط بالفعل بشبكة واسعة من الشراكات الدفاعية مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الأعضاء فى الحلف، فضلاً عن استضافتها قواعد ومنشآت عسكرية تمثل جزءاً مهماً من البنية الأمنية الدولية فى المنطقة. ولذلك فإن الحديث عن ترتيبات ردع أكثر وضوحاً لا يبدأ من فراغ، بل يستند إلى أسس قائمة بالفعل.

والأهم أن الهدف من أى مظلة ردعية محتملة لا يجب أن يُفهم باعتباره تمهيداً للمواجهة، وإنما باعتباره محاولة لتجنبها. فالتاريخ الاستراتيجى الحديث يشير فى كثير من الأحيان إلى أن وضوح قواعد الردع يقلل فرص سوء التقدير، بينما يترك الغموض المجال مفتوحاً أمام المغامرات والحسابات الخاطئة.

وفى الوقت نفسه، لا ينبغى النظر إلى الردع والدبلوماسية باعتبارهما مسارين متعارضين. ففى كثير من التجارب الدولية الكبرى، سارت المفاوضات واتفاقيات الحد من التسلح جنباً إلى جنب مع توازنات ردعية مستقرة. بل إن الشعور بالأمان غالباً ما يمنح الدول مساحة أكبر للحوار وخفض التوتر والبحث عن المصالح المشتركة.

لهذا السبب ربما لم يعد السؤال الأهم هو ما إذا كانت إيران ستصبح قوة نووية أم لا، وإنما ما إذا كانت دول المنطقة تملك تصوراً واضحاً للتعامل مع هذا الاحتمال إذا أصبح واقعاً. فالأزمات الكبرى لا تبدأ عادة عندما تقع الأحداث، بل عندما تكتشف الدول أنها لم تستعد لها مسبقاً.

ومن هنا تبدو مناقشة خيارات الردع المختلفة، بما فيها فكرة المظلة النووية المدعومة من الحلفاء الغربيين، جزءاً من التفكير الاستراتيجى الطبيعى الذى تفرضه مرحلة تتزايد فيها الشكوك وتتغير فيها موازين القوة بسرعة. فقد لا يكون هذا الخيار هو الإجابة الوحيدة، وربما لا يكون الإجابة النهائية أيضاً، لكنه بالتأكيد سؤال يستحق أن يُطرح قبل أن تفرض الوقائع إجاباتها الخاصة.

تم الاستعانة  بأجزاء من هذا المقال بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي

الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى