ليست المرة الأولى وعلى الأرجح لن تكون الأخيرة ..نحن بصدد حلقة جديدة من سلسلة الصراع او دورة جديدة من العنف والمواجهات بين حماس وإسرائيل .ربما كان الاختلاف الوحيد هذه المرة هو أن حماس هى من أطلقت صافرة البداية ..فقد أعتدنا فى الحلقات السابقة أن مفتاح اللعبة عادة مايكون بقبضة تل أبيب ..التطورات المتلاحقة بالمشهد المحتقن تعانق شهية التساؤلات حول :
- لماذا الآن ؟ وماهى أهداف حماس ؟
- وما دلالات التوقيت ومدى ارتباطه بالتحولات الأقليمية لاسيما فيما يتعلق بالسعودية وإيران ؟
- وهل ينضم حزب الله لحماس ويدخل دائرة الحرب المباشرة ؟
- السؤال الأخير كيف سيستفيد نتتياهو ؟
ميدانيا وفى عملية غير مسبوقة نفذت حركة حماس أكبر هجوم لها على إسرائيل ، إذ أطلقت وابلا من الصواريخ من قطاع غزة بالإضافة إلى عبور مسلحين السياج الحدودي . و أسفر الهجوم عن مقتل نحو 100 إسرائيلي، وأصيب 800 حتى الآن منذ صباح، وتقول حركتا حماس والجهاد الإسلامي إنهما أسرتا عشرات الرهائن الإسرائيليين.
عقب استيعاب الصدمة وبعد مرور ساعات قلائل من الهجوم المباغت : «نحن في حرب». وجاء خطابه في أعقاب بيان مماثل لوزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت الذي تعهد بـ«انتصار إسرائيل» في الحرب، علماً أن هذه الكلمة لم تستخدم في إسرائيل منذ حرب 1973
وفي غضون ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي بدء عملية “السيوف الحديدية”، وبدأ بشن غارات على مواقع في القطاع. ليواجه بضراوة “طوفان الأقصى ” .
محاولات حماس لعنونة الهجوم بـ” الدفاع عن الأقصى ” تبدو غير منطقية حتى لو افترضنا أن السبب هو ما جرى في المسجد الأقصى، فقد توقفت الاقتحامات يوم الخميس، فلماذا التحرك الآن وليس في حينه؟ إذ تبدو الحركة فى محاولة للالتفاف على الوضع الاقتصادى وتحقيق بعض غاياتها على الصعيد الداخلي . إذ تعمد الحركة إلى قلب الطاولة و تحويل غضب وانتقادات الشارع الغزاوى لها باتجاه إسرائيل خاصة بعد تزايد الأصوات الاحتجاجية على تردي الأوضاع الاقتصادية وموجة الهجرة من قطاع غزة، فهي تعتقد أن وجودها في مواجهة مع إسرائيل سيجعل السكان يلتفون من حولها”.
وقد سبق فى يونيو 2018 واستخدمت حماس نفس الاستراتيجية عندما أطلقت ما يعرف بمسيرات العودة و على الرغم من إدراك الحركة حينها , أن المسيرات التي أخرجتها على السياج الحدودي لن تحدثاً فارقاً كبيراً بالمشهد أو القضية الفلسطينية غير أنها كانت بموقف لاتحسد عليه خاصة وأنها المنوط بها توفير الاحتياجات الأساسية لنحو 2 مليون فلسطيني بغزة وفى ظل عجزها عن معالجة مشاكل القطاع والتي دفعت بعض سكانه إلى ترديد مقولات على غرار : لو يحكمنا الصهاينة أحسن ما نموت من الجوع على إيد حماس. اضطرت الحركة إلى الالتفاف على الوضع والتفكير خارج لصندوق فقامت بتغيير استراتيجيتها باللجوء إلى الهبة الشعبية حيث أدرك قائد حماس يحيى السنوار ورفاقه أن العودة إلى الفلسفة السابقة ستكون أكثر فاعلية وقد وجدت ذلك فى مسيرات العودة الكبرى والتي خففت من حدة الضغط الداخلي، ومنحت ذراعه العسكري، وذراع حركة الجهاد الإسلامي فرصة لتنفيس حالة الغضب. ، لقد صنعت حماس من تلك المسيرة خطة تكتيكية ؛ لحشد وتعبئة الداخل الفلسطيني وصرف أنظاره عن مشكلاته الحقيقة. وهو على الأغلب أحد أهداف حماس باللحظة الراهنة . ناهيك عن رغبة حماس فى أن أن تقفز حماس على الأوضاع وتستولي على الضفة برمتها .
لكن ثمة أسباب أعمق تتعلق بتفجير الأوضاع ,ففي الشرق الأوسط أينما ولّيت وجهك.. كل شيء قابل للانفجار فالسحابة السوداء التي تنمو فوق سماء قطاع غزة تتشابك مع الضغوط الدولية والاتفاقات الإقليمية .
الاوضاع المشتعلة اليوم ربما تتقاطع و التطورات على صعيد الاتفاق الأمريكي الإسرائيلي السعودي حيث تجد نفسها خارج الصورة وقد انتقدت علانية الجهود للتوصل الى هذا الاتفاق حتى دون الاستماع إلى التفاصيل”. وندد زيادة النخالة، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، يوم الجمعة بالمحاولات العربية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، في الوقت الذي نظمت فيه الحركة فعاليات في الأراضي الفلسطينية ودول مجاورة، وسط جهود إسرائيلية للتوصل إلى سلام مع السعودية.
وقال النخالة ، في خطاب عبر مقطع مصور “هؤلاء الذين يتراكضون للتطبيع مع المشروع الصهيوني، يجب أن يعلموا، وهم يعلمون، أن ذلك هو إقرار منهم بأن فلسطين ليست لنا، وأن القدس بمسجدها ليست لنا”.
إيران تبدو حاضرة بقوة فى خارطة الصراع المشتعل إذ انه حال توقيع اتفاق التطبيع بين الرياض وتل أبيب فإنها ستكون الخاسر الأكبر لذا لابد من الوقوف جرى في اجتماعات التنسيق الأخيرة في إيران ولبنان بين إيران وحزب الله من جهة وحماس والجهاد من الجهة الثانية. لاسيما وأن الدافع الرئيسى للسعودية هو التوصل لمعاهدة استراتيجية جديدة مع الولايات المتحدة حيث ترتبط الدولتان بعلاقة أمنية، إلا أن السعودية تريد معاهدة دفاع رسمية وليس أقل من ذلك، لأن إيران تزيد من برامجها النووية وتقف على أعتاب إنتاج الأسلحة النووية، مما سيقلب التوازن الأمني في المنطقة رأسا على عقب.وتشمل المحادثات تطوير مفاعل للطاقة النووية حيث تم تخصيب اليورانيوم في داخل السعودية وتحت إشراف أمريكي.
إذن ثمة اشتباه مشروع وجائز في إدراج عملية إطلاق الصواريخ تحت طائلة الاستجابة للإملاءات الإيرانية التي تخضع لضغوط دولية وتمارس وإسرائيل مناوشات عسكرية على أرض الجولان ,فبينما تتجنب طهران دخولها فى مواجهة مباشرة مع تل أبيب ويتبع حزب الله سياسية النأي بقوته العسكرية بعد رهانات نصر الله الخاطئة فى الحرب السورية وانزلاق لبنان إلى هاوية أزمة اقتصادية وسياسية خانقة لم تستطع الافلات منها , تأخذ حماس والجهاد الشعب الفلسطيني نحو تنفيذ أجنداتهم السلطوية أو الإقليمية وتدفعه لخوض غمارك معارك بالوكالة عن حلفائها فى طهران هدفها بالأساس الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة .
ما بين موجات من المد والجزر تتراوح العلاقة بين طهران وحماس لكنها أبداً لا تنفصم عراها , فحين عارضت حماس انحياز إيران للنظام السوري أجبرتها طهران على الثمن وقامت بتقليص دعمها المالي والعسكري لكنها أبقت بذات الوقت على شعرة معاوية التي تحفظ لها حق العودة .لذلك فإن ما يدور اليوم يمكن إدراجه وتصنيفه ضمن الخطوات الانتقامية , إذ يبدو أن حماس المصنفة إرهابية في الخليج والمعاقبة بقوانين أميركية، تحسست ما يجري حولها وفتشت بدفاترها عن خطوط الانقسام التي تتيح لها العودة إلى راعيها القديم كرد فعل على التجاهل العربي واتفاق الرياض وواشنطن .
إن ما جرى هو بمثابة حبل إنقاذ لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يعاني من المعارضة القوية في داخل إسرائيل وهو ما يمكن قراءت فى تصريحات زعيم المعارضة يائير لابيد بتشكيل حكومة طوارئ والذى قال “لا تتدخل في السياسة أثناء الحرب”. مضيفاً “لقد أبلغت رئيس الوزراء أنه في حالة الطوارئ الحالية أنا على حق في وضع جميع الخلافات جانبا، وأن أشكل معه حكومة طوارئ محترفة ومحدودة، والتي ستدير الأمور
لكن قد تأتى الرياح بما لاتشتهى السفن” وتكسب المعارضة الإسرائيلية ضد نتنياهو زخماً كبيراً في المجتمع الإسرائيلي في المستقبل المنظور، مستخدمة تحذيراتها التي أطلقتها ضد الحكومة المتطرفة التي يقودها نتنياهو، وهو ما سيجعل من بقاءه وبقاء حكومته في الحياة السياسية وفي الحكم مشكوكاً فيه إلى حد كبير.
السناريو الأخير هنا يتعلق بشرط السعودية توقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع الولايات المتحدة ، على غرار حلف شمال الأطلسي، بموجبه ستكون واشنطن ملزمة بالدفاع عن السعودية في حال تعرضها لهجوم. وبحسب ما ورد، فإن العديد من المشرعين والمسؤولين الأمريكيين لا يشعرون أبدا بالراحة إزاء احتمال التوصل إلى مثل هذا اتفاق. بالإضافة إلى ذلك، تريد الرياض تطوير برنامج نووي مدني، وهو مطلب لطالما يثير مخاوف الأميركين .. ناهيك عن أن الهجوم جاء بعد نحو أسبوعين من توقيع صفقة إطلاق سراح السجناء بين أمريكا وإيران والتى تم بموجبها إلغاء تجميد 6 مليارات دولار من عائدات نفط طهران مما يدفع نحو التساؤل بشكل أعمق حول توقيت الهجوم ومدى ارتباطه بهدوء نسبى فى العلاقات الأميركية الإيرانية .وهل ستتخلى الإدارة الأميركية عن إسرائيل ومن ثم توقع اتفاقاً تاريخياً جديداً مع إيران مقارب لاتفاق 2015 ؟ ..الإجابة بلا شك فى رحم الأيام









اضف تعليق