الرئيسية » تقارير ودراسات » حتى لا يتحول السودان إلى أفغانستان إفريقيا
تقارير ودراسات رئيسى

حتى لا يتحول السودان إلى أفغانستان إفريقيا

على الرغم من أن العاصمة السودانية الخرطوم باتت الآن تحت سيطرة القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، فإن قوات الدعم السريع المنافسة، بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو “حميدتي”، تسيطر على الأجزاء الغربية من السودان. وقد استعادت قوات الدعم السريع السيطرة على مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، الشهر الماضي، وسط اتهامات بارتكاب مجزرة بحق المدنيين.

ومن دون وقفٍ لإطلاق النار ومفاوضات مدعومة دولياً لتشكيل حكومة واسعة التمثيل، قد يظل السودان غارقاً في صراع طويل الأمد. فبينما يحظى البرهان بدعم مقاتلين إسلاميين ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين، من المتوقع أن يواصل حميدتي السعي وراء دعم حلفائه القبليين والسودانيين المناهضين للإسلاميين، إضافة إلى داعمين خارجيين.

يشبه الوضع الحالي حالة تجاهل المجتمع الدولي لأفغانستان بعد انسحاب الاتحاد السوفيتي عام 1989، الأمر الذي أدى إلى صعود حركة طالبان التي وفّرت ملاذاً لتنظيم القاعدة، مما مهد الطريق لهجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة. ورغم أن القاعدة وفرعها المتطرف “داعش” يبدوان اليوم منهكين بعد حروب طويلة، فإن الجماعات المتطرفة في العالم الإسلامي لها تاريخ طويل في إعادة إنتاج نفسها في صور وأماكن أخرى.

لا يزال التطرف الإسلامي مصدر قلق أمني عالمي، وترك السودان يتحول إلى جبهة جهادية جديدة سيكون خطأً استراتيجياً فادحاً. فتنظيم القاعدة أو أحد أتباعه يقف بالفعل على أعتاب تحقيق مكاسب إقليمية وربما السيطرة على مالي في غرب أفريقيا.

ليس من قبيل المصادفة أن القاعدة، التي يعني اسمها حرفياً “القاعدة”، حاولت أولاً ترسيخ وجودها في السودان في أوائل التسعينيات، قبل أن تجد موطئ قدم لها في أفغانستان. فكلا السودان ومنطقة الحدود الأفغانية الباكستانية شهدا “جهاداً” ضد قوى أوروبية، أدى إلى قيام دول إسلامية قصيرة العمر في أزمنة حديثة نسبياً.

تعود جذور إخفاقات السودان الداخلية—سنوات من خلل سياسي، وحكم غير فعّال، وصراعات عسكرية—إلى انقلاب 1989 الذي خطط له منظر جماعة الإخوان المسلمين حسن الترابي، والذي أوصل إلى السلطة الفريق عمر حسن البشير.
خسر الترابي لاحقاً صراعاً داخلياً أمام البشير، الذي أُطيح به عام 2019 بعد احتجاجات شعبية واسعة. لكن التيار الإسلامي المتشدد لا يزال عاملاً مؤثراً في الصراع السوداني. فلطرد قوات الدعم السريع من الخرطوم، لجأت القوات المسلحة السودانية إلى آلاف من عناصر الاستخبارات السابقين من نظام البشير.

يشبه هذا التحالف ما فعله البشير سابقاً مع الترابي. ففي لقاء جمعني بالترابي في إسلام آباد عام 1994، قال لي إن الجنرالات الطامحين للسلطة يمكن أن يكونوا شركاء مثاليين للإسلاميين: “طموحهم يحتاج إلى غطاء أيديولوجي، ونحن الإسلاميون نحتاج اختصار الطريق إلى السلطة لتحقيق حلم الدولة الإسلامية”. وقد دفع السودان ثمناً باهظاً لهذا التحالف قبل عقود، وقد يدفع ثمناً آخر اليوم.

التحالف الإسلامي داخل القوات المسلحة قد يجعل السودان قاعدة عمليات جديدة لشبكات التطرف التي تستهدف شمال أفريقيا والممرات البحرية الاستراتيجية في البحر الأحمر. ومن شأن ذلك أيضاً إعاقة مسار السودان نحو التطبيع ضمن اتفاقات أبراهام. فالبرهان، أحد الموقعين على الاتفاق، يخضع الآن لعقوبات أميركية، كما تتهم كلٌّ من القوات المسلحة وقوات الدعم السريع بتنفيذ هجمات عشوائية، واستهداف المدنيين، وعرقلة المساعدات الإنسانية، وارتكاب انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان.

نجاح البرهان في استعادة الخرطوم أغراه بالسعي نحو حسم عسكري كامل. وقد حمّلت حكومته الإمارات العربية المتحدة مسؤولية استمرار الحرب عبر دعم خصمه. لكن هذا التفسير لا يشرح وحده إخفاقات السودان الداخلية، ولا يغطي على حقيقة تحالف البرهان مع الإسلاميين.

لقد أظهرت الحرب الأهلية المستمرة منذ عامين، وتقلب موازين القوى بين الطرفين، أن الصراع السوداني لن يُحسم عسكرياً. فالسودان بلد معقد إثنياً وجغرافياً، وقد تستمر الحرب لسنوات مع محاولة كل طرف بسط نفوذه على مناطق جديدة. وقد يؤدي ذلك إلى تحول السودان إلى دولة فاشلة مثل اليمن، تهيمن عليها قوى متطرفة، أو إلى انقسام شبيه بليبيا التي تعيش فعلياً تحت حكومتين متنافستين منذ حربها الأهلية.

إن مزيداً من الانهيار أو التقسيم في السودان سيترك أثراً كبيراً على إثيوبيا وتشاد وجنوب السودان والقرن الأفريقي. كما سيؤثر على أفريقيا والشرق الأوسط، وقد تكون له تبعات غير متوقعة شبيهة بتلك التي أدت إلى صعود طالبان قبل هجمات 11 سبتمبر. لذلك، يحتاج الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى جانب الدول العربية والأفريقية، إلى التحرك لتجنب هذا السيناريو.

على المجتمع الدولي أن يدعو لوقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار في السودان لمنع انهيار الدولة بالكامل. ويجب أن تعقب ذلك محادثات لتشكيل حكومة واسعة التمثيل في الخرطوم. فاستمرار القتال لن يؤدي إلا إلى زيادة الخسائر البشرية وخلق فراغ يُتيح للجماعات المتطرفة التمدد. ومع تمركز القوات المسلحة في العاصمة وسيطرة الدعم السريع على الفاشر، يمكن تشجيع الطرفين على الدخول في مفاوضات سياسية. وقد يكون هذا الوقت المناسب للرئيس ترامب لاستخدام نفوذه ودفع الأمور نحو الدبلوماسية بدلاً من صراع لا ينتهي، من أجل تحديد مستقبل السودان.

المصدر: حسين حقاني- ناشيونال انترست