الرئيسية » أحداث اليوم » حين تصبح المفاوضات تفصيلاً.. ماذا لو كان مصير النظام الإيراني قد حُسم بالفعل؟
أحداث اليوم الرأي تقارير ودراسات رئيسى

حين تصبح المفاوضات تفصيلاً.. ماذا لو كان مصير النظام الإيراني قد حُسم بالفعل؟

في أي صراع طويل، يصل المتفاوضون في مرحلة ما إلى طاولة التفاوض وهم يدركون أن هناك قواعد غير مكتوبة تحكم اللعبة. ومن بين أهم هذه القواعد أن الأطراف الخبيرة لا تهدر وقتها في القتال على التفاصيل عندما تكون قادرة على رؤية النهاية بوضوح.

هذا هو بالضبط ما قد ينطبق على المفاوضات الأمريكية ـ الإيرانية الجارية اليوم. فالنقاش الدائر حول نسب التخصيب، وآليات الرقابة، وحجم العقوبات، وضمانات التنفيذ يبدو جوهريًا على الورق، غير أن وزنه الحقيقي يتراجع عندما تتحرك الأحداث في مسار أوسع من بنود الاتفاق نفسها.

عندما يقتنع أحد الأطراف بأن خصمه يواجه أزمة بنيوية عميقة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، تتغير زاوية النظر إلى العملية التفاوضية بأكملها. عندها يتراجع الاهتمام بحجم المكاسب التي سيخرج بها كل طرف، ويتقدم سؤال آخر إلى الواجهة: هل سيبقى الوضع القائم طويلًا بما يكفي حتى يحتفظ الاتفاق بقيمته؟

من هذا المنظور، يرى بعض صناع القرار في واشنطن أن التحدي الإيراني يتجاوز الملف النووي وحده. فهناك اقتصاد يرزح تحت ضغوط متراكمة، وتوترات داخلية تتجدد على فترات متقاربة، وشبكة نفوذ إقليمية تواجه استنزافًا متواصلًا، إلى جانب أعباء متزايدة تفرضها التحولات التي تشهدها المنطقة.

وحين تصل دوائر القرار إلى قناعة بأن خصمها دخل بالفعل مرحلة تآكل يصعب وقفها، يتراجع الانشغال بالتفاصيل الصغيرة. فالمشهد الأوسع يفرض نفسه بقوة أكبر من البنود التقنية، والتطورات الجارية خارج غرفة التفاوض تصبح أكثر تأثيرًا في رسم المستقبل من الأوراق المتبادلة داخلها.

في مثل هذه اللحظات، ينتقل التركيز إلى عناصر أخرى؛ إلى قدرة النظام على امتصاص الضغوط، وإلى تماسك مؤسساته، وإلى المزاج العام داخل المجتمع، وإلى الموارد التي تسمح له بمواصلة أداء أدواره الإقليمية. هناك تتشكل الملامح الكبرى للصورة، وهناك أيضًا تتحدد قدرة أي اتفاق على الاستمرار.

ولهذا السبب تبدو تفاصيل الاتفاق أقل أهمية من التقدير الاستراتيجي لمستقبل النظام الإيراني خلال السنوات المقبلة. فثمة من ينظر إلى المفاوضات الحالية باعتبارها محطة عابرة داخل مسار أكبر، مسار يتجاوز الملف النووي ويتصل بمستقبل النظام نفسه وقدرته على الصمود أمام الضغوط المتراكمة.

هذا التصور لا يجعل المفاوضات بلا قيمة، لكنه يضعها في سياق مختلف. فالاتفاقات تستطيع تنظيم مرحلة معينة، وتهدئة التوترات لبعض الوقت، وفتح قنوات للتواصل، غير أن التحولات العميقة تبقى مرتبطة بعوامل أكثر اتساعًا من النصوص الموقعة والالتزامات المتبادلة.

وفي هذه الحالة تتحول المفاوضات إلى أداة لإدارة الوقت ريثما تفرض التحولات الأكبر نفسها على الأرض. فالنتائج الحقيقية كثيرًا ما تتشكل عبر المسارات الطويلة التي تعيد صياغة موازين القوة وتغير طبيعة المشهد السياسي. وعندما تصبح الوجهة العامة أكثر وضوحًا من تفاصيل الطريق المؤدي إليها، تتحول المفاوضات نفسها إلى مجرد تفصيل داخل قصة أكبر بكثير.