إن التهديد الأمني الكبير الذي تعاني منه الأسر الليبية، في حياتهم اليومية، ليس خطر الوقوع في تبادل لإطلاق النار بين الميليشيات المتنازعة، أو الوقوع ضحية جماعة جهادية، أو الخطف من أجل الحصول على فدية، بل إن من أكثر الأزمات إلحاحا على سياسة ليبيا المختلة، هي الأزمة النقدية، حيث بدأت المظاهر الرئيسية للنقص المزمن في الأوراق النقدية بالدينار، إلى جانب ضعف قيمة العملة الليبية في السوق السوداء – في عام 2014، وعلى عكس الحرب الأهلية الجارية، التي بدأت أيضا في عام 2014، ازدادت حدة الأزمة النقدية باستمرار خلال الأشهر الماضية.
في طرابلس تضخم عدد السكان بمقدار الربع منذ عام 2011، إلى ما يقرب من ثلاثة ملايين مع وصول الأسر النازحة من المدن الليبية الأخرى – مئات من الناس يقفون في طوابير يوميا من 10 ليلا حتى الصباح لسحب أموال رواتبهم من البنك.
وغالبا ما يذهبون إلى ديارهم خالي الوفاض، وتحدث مشاهد مماثلة في طبرق، وسرت، وأماكن أخرى، وتتحول طوابير الانتظار الطويلة في البنوك أحيانا إلى حوادث عنف، بما في ذلك إطلاق النار من جانب الميليشيات المحلية التي تدعي “حماية” فرع البنك، وتصور تلك الجماعات المسلحة نفسها على أنها ملتزمة بالقانون والنظام، ولكنها غالبا ما تمارس الاختلاس، وتؤثر بشكل تعسفي على صرف المال، كما يعاني الكثير من الليبيين من التفاوت الطبقي، فالمتاجر الفاخرة في العاصمة هي تذكير بأن شريحة من السكان فقط هى التي تزدهر ماليا.
كما أن انعدام الأمن المادي، وإن كان حقيقيا، ليس السبب الجذري وراء الأزمة النقدية في ليبيا، بل هو نتيجة ثانوية لبيروقراطية حكومية كبيرة ،ومستويات غير مستدامة ،من الانفاق على الرعاية الاجتماعية والحكم الاستقطابي.
كانت أول عملية انتفاضة في ليبيا بعد عام 2012 – سنة جيدة لقطاع الهيدروكربونات في البلاد، وأدى ذلك، إلى جانب عودة الطلب الخاص المكثف في القطاعات غير النفطية، إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي غير المعدل لهذا العام إلى 82 مليار دولار – أي أكثر من ضعف الرقم المسجل في عام 2011 و 9 في المائة مقارنة بعام 2010.
والأهم من ذلك أن ليبيا استطاعت الحصول على ما يزيد عن 100 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبي التي تراكمت خلال الفترة 2004-2010 التي تجمدها القوى الغربية في فبراير 2011، بعد انتهاء حرب عام 2011 في أكتوبر من ذلك العام، نظام الرعاية الاجتماعية، وظلت ردود الفعل المفرطة بعمق من التملك غير المشروع، والزبونية، والفساد أيضا.
ولم تفكر الحكومة المؤقتة في إجراءات التقشف، والواقع أن نفقات الرفاه على غرار القذافي قد ازدادت إلى مستويات متطرفة جديدة، وقد شهدت فترة ما بعد عام 2011، التي يسيطر عليها كل من الرضا عن الذات والرغبة في “شراء” الهدوء والولاء، و الاحتيال في كشوف المرتبات الحكومية، وهي ممارسة كانت موجودة في ليبيا من قبل، تنفجر إلى أكثر من 300،000 رواتب مزدوجة، أي ما يقرب من سدس العمالة في البلاد بأكملها.
وارتفعت الرواتب من القطاع العام من 6.6 مليار دولار في عام 2010 إلى ثلاثة أضعاف تقريبا لتصل إلى 19 مليار دولار في عام 2014، وبصرف النظر عن الإنفاق الباهظ على رواتب الدولة، أنفق 25 مليار دولار بين عامي 2011 و 2014 على دعم الوقود والغذاء، و (في العام الماضي، ظلت فاتورة الأجور الرسمية الليبية، التي تبلغ 14 مليار دولار، والإعانات، البالغة 4 مليارات دولار، مرتفعة).
توقف انتاج النفط
وشهد صيف عام 2013 تعطيل الجماعات المسلحة عمدا البنية التحتية للهيدروكربونات، وانخفض إنتاج النفط من 1.45 مليون برميل يوميا في مايو 2013 إلى 220،000 برميل يوميا في نوفمبر 2013، وانتعش إلى 900000 برميل يوميا لفترة وجيزة، ولكن تم وضع سابقة هامة،حيث لم تفشل الدولة المركزية فقط في وقف المحاصرين، وأجزاء من النخبة السياسية التسامح أو دعمهم، مما يعطي لهم وسيلة مقبولة للتظلم.
وسرعان ما انتشرت هذه الممارسة في جميع أنحاء البلاد، ومنذ عام 2016، أحرزت قيادة مؤسسة النفط الوطنية تقدما في التقليل من هذه الظاهرة، ولكن حتى اليوم لا تزال سياسة الحصار تعوق إنتاج النفط بشكل روتيني.
وخلال الفترة 2013-2016، أدى قمع إيرادات الهيدروكربون إلى زيادة العجز في ميزان المدفوعات في البلاد، ولسد الفجوة، أحرق مصرف ليبيا المركزي احتياطياته من النقد الأجنبي، ومع اختناق قطاع إنتاج الثروة الوحيد في البلاد، أصبح جزء كبير من الاقتصاد الليبي يعتمد على استهلاك المدخرات من السنوات السابقة، وكان المركز العصبي لهذه الديناميكية هو المصرف المركزي ، الذي يعمل كدائرة الخزانة بحكم الأمر الواقع في ليبيا.
ندرة الدولار
وبسبب الحصار الذي تفرضه الميليشيات على منشآت النفط من جهة، وانخفاض أسعار النفط من جهة أخرى، انهارت إيرادات ليبيا من 52 مليار دولار في عام 2012 إلى أقل من 5 مليارات دولار في عام 2016، (استنادا إلى الأشهر العشرة الأولى من عام 2017، من المرجح أن تصل إلى 12 مليار دولار أمريكي في العام الماضي.) وفي حين انخفضت الإيرادات الحكومية بنسبة 90 في المائة بين عامي 2012 و 2015، لم تتجاوز النفقات العامة سوى 40 في المائة، ونتيجة للانفصال بين الإيرادات والمصروفات، انخفض احتياطي ليبيا من النقد الأجنبي من 108 مليارات دولار في عام 2013 إلى 57 مليار دولار بنهاية عام 2015. وأدى الانخفاض في الاحتياطيات على مدى 24 شهرا إلى 51 مليار دولار إلى خسارة عامة في الثقة في دينار.
مخرج من الأزمة
ولأن ليبيا غير موحدة لا جغرافيا ولا عبر الطبقات الاجتماعية، فإن أزمة الدينار تعمق تفتيت المجتمع الليبي، وتساعد الشبكات غير المشروعة التي تغذي الاتجار بالدولار وتوزيع الأوراق النقدية على استدامة الجهات الفاعلة المارقة، وهذا بدوره يقوض الجهود الرامية إلى بناء قدرات الدولة.
وقد قام بعض أصحاب الأعمال الرفيعي المستوى في ليبيا بحملة من أجل تخفيض قيمة الدينار في النظام المصرفي الرسمي في البلاد.
اما في شكل جزئي أو في خطوة واحدة، فسيتم تغيير سعر صرف الدينار الرسمي من 1.4 دينار الى الدولار الى نحو 4.5.
وفي 14 تشرين الثاني / نوفمبر، قال المصرف المركزي إنه يتوقع وضع سعر صرف رسمي جديد بين 3 دينار و 5.75 دينار للدولار.
إن تخفيض قيمة العملة وحده لن ينهي الأزمة، ولإحياء السيولة وإصلاح الثقة في النظام المصرفي، يجب على مصرف ليبيا المركزي أيضا أن يكفل الوصول إلى كميات كبيرة من العملات الصعبة بأسعار الصرف الجديدة إلى المستخدمين العاديين، بمن فيهم صغار التجار والمواطنين الضعفاء، وكان الافتقار إلى إمكانية الوصول الفعلي إلى مرفق الصرف الأجنبي الرسمي للمصرف المركزي مشكلة رئيسية.
الأزمة النقدية في ليبيا هي أزمة ثقة وحكم، وقد تجلى ذلك بشكل واضح في استمرار انكماش الدينار مقابل الدولار خلال عام 2017، على الرغم من انكماش النفقات العامة، وتمكنت الشركة الوطنية للنفط في ليبيا من مضاعفة كمية النفط التي أنتجتها بين شهري أبريل ويوليو من العام الماضي. (تقوم شركة النفط الوطنية بإدخال عائدات الدولار من جميع المبيعات الرسمية من الهيدروكربونات إلى مصرف ليبيا المركزي في طرابلس).
وبغض النظر عن تلك التحسينات المالية، فإن الدينار لم يرتفع في السوق السوداء في عام 2017؛ وبدلا من ذلك، انخفضت قيمتها بنسبة 35 في المائة.
وعلاوة على ذلك، فشلت مختلف تطبيقات الدفع الإلكتروني في التغلب على مشكلة نقص الأوراق النقدية،بالاقتران مع التواصل الواضح والتنفيذ التكنوقراطي المنسق، ضرورية لتخفيف أزمة الدينار.
ومن غير المرجح أن تتخذ مثل هذه التدابير بسبب الطابع المسيس والمجزأ للبنك المركزي الليبي كما هو عليه اليوم، وهناك عائق أكبر هو الفساد – في الجمارك، وإنفاذ القانون، والسياسة، وعبر النظام المصرفي نفسه.
وما لم يتحقق حوار سياسي حقيقي، فمن المرجح أن تستمر الأزمة النقدية في ليبيا حتى عام 2018، سواء أعلن مصرف لبنان المركزي عن تخفيض قيمة سعر الصرف الرسمي أم لا.
وإذا لم تتراجع شدتها، فإنها قد تؤخر السلام وتزيد من السلوك المفترس من الجماعات المسلحة، وستسهم النتيجة في جعل مساحات كاملة من البلد أكثر قابلية للحكم مما كانت عليه بالفعل.









اضف تعليق