أرخى تصاعد الخلاف الأميركي – الروسي بظلاله على فضاء الأحداث السورية ,إذ وصل مسار التسوية إلى مرحلة الانسداد الكامل وبلغت حرب التجاذبات بين الجانبين ذروتها في إدلب وشرق الفرات
التوترات الطارئة بين واشنطن وموسكو طبعت بصماتها على المشهد السورى , إذ لا يمكن قراءته بمعزل عن تزامن التدابير الروسية لرفع القدرات القتالية لقواتها المسلحة مع كشف الولايات المتحدة عن نيتها بالانسحاب من معاهدة التخلص من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى واحتمالات تطوير روسيا لصواريخ كاليبر المجنحة حال انسحاب واشنطن من المعاهدة واستخدامها بالحرب السورية .فضلاً عن مستجدات الأزمة الأوكرانية حيث قام خفر السواحل الروسية، في 25 نوفمبر 2018، باحتجاز ثلاثة سفن أوكرانية بالقرب من شبه جزيرة القرم، مما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إلغاء لقاء كان من المقرر عقدها مع نظيره الروسي فيلاديمير بوتين على هامش اجتماعات قمة مجموعة العشرين في الأرجنتين.وبدأت الولايات المتحدة الاستعداد لإرسال سفن حربية إلى البحر الأسود، على خلفية الحادث في مضيق كيرتش.
مساعى واشنطن لمنع موسكو من الإمساك بزمام العملية السياسية وخيوط الأزمة المتشابكة ,دفع الأولى إلى العودة مجدداً للعب دور نشط بجنبات الساحة برز من خلال عدم الاعتراف بمخرجات المسار الروسي فى آستانة وسوتشى والتلميح بإمكانية تفعيل مسار آخر حيث دعا جميس جيفري المبعوث الأميركي إلى سورية إلى إنهاء “مسارى أستانا وسوتشى ” مشيراً إلى أن دول أستانا لم تتخذ أي إجراء مهم فيما يخص اللجنة الدستورية وأن واشنطن قد تستخدم آليات جربتها في العراق، على غرار فرض مناطق حظر جوي في الشمال السوري. وعلى الصعيد العسكري زادت الولايات المتحدة من كمية وكفاءة قواتها المتمركزة في المنطقة، سواء في البحر المتوسط أو الخليج العربي .
تصريحات المبعوث الأميركي استقبلتها موسكو بالتجاهل التام لكتها بذات الوقت وبالتزامن مع دخول واشنطن على خط إدلب وتحركاتها فى شرق الفرات صعدت من لهجتها على المستويين العسكري والدبلوماسي لمواجهة لجوء محتمل لواشنطن إلى مجلس الأمن، وحرمان الأخيرة من دعم دولي لتحركاتها. حيث شنت روسيا حملة ضد «خطة أميركية لتقسيم» سوريا، بهدف مواجهة تحركات واشنطن في شرق الفرات، ومحاولة إقناع بلدان أخرى بتأييد مواقفها هو ما برز من خلال تنظيم وزارة الدفاع الروسية الخميس الماضي ، عرضاً واسعاً للتطورات في سوريا، دعي إليه الملحقون العسكريون الأجانب، وممثلو البعثات الدبلوماسية.. وبعد مرور يوم واحد على تعليقات من الكرملين أدانت «خطط إقامة كيانات بديلة في شمال سوريا»، انضمت وزارتا الدفاع والخارجية الروسيتان إلى الحملة، من خلال عرض ما وصفته موسكو بأنه «وقائع ومعطيات تعكس حقيقة ما يجري على الأرض السورية»، وفقاً لرئيس الأركان الروسي الجنرال فاليري غيراسيموف. ووصفت الخارجية الروسية التحركات الأميركية في سوريا بأنها «أنشطة مشبوهة». واتهم غيراسيموف الولايات المتحدة بمحاولة إنشاء كيان كردي مستقل عن دمشق شمال سوريا. وقال للملحقين العسكريين الأجانب، إن ” الوضع شرقي الفرات يتأزم بشكل حاد، وتحاول الولايات المتحدة المراهنة على الأكراد السوريين لإنشاء كيان شبيه بدولة، مستقل عن دمشق شمال البلاد، ونشطت تحركاتها لتشكيل حكومة ما يسمى فدرالية شمال سوريا الديمقراطية”.
حملة الانتقادات وتبادل الاتهامات بين الجانبين سوف تمتد إلى أروقة مجلس الأمن حيث من المقرر أن يقدم المبعوث الأممي إلى سوريا استيفان دي ميستورا تقييمه في 20 ديسمبر/كانون الأول الجاري، حول إمكانية إنشاء لجنة دستورية ذات مصداقية، متوازنة وشاملة”. إذ يرجح أن يسعى كل طرف إلى اكتساب دعم القوى الدولية واصطفافها إلى جواره فيما يتعلق بالتطورات على الساحة السورية .
لكن ثمة عقبات محتملة ستواجه واشنطن وموسكو في معركة استقطاب الأطراف الدولية , إذ ستواجه معوقاً هاماً يتمثل فى عدم امتلاكها خارطة طريق بديلة للخطة الروسية . فى حين ستتعرض موسكو لضغوط متزايدة بشأن عدم قدرتها على إنجاز التسوية على الرغم من عقد نحو 11 جولة من محادثات آستانة وإخفاقها فى الجولة الأخيرة فى تشكيل اللجنة التي من المفترض أن تعمل على إعداد دستور جديد للبلاد، على أن تتشكل من 150 شخصًا (50 يختارهم النظام، 50 تختارهم المعارضة، 50 تختارهم الأمم المتحدة من ممثلين للمجتمع المدني وخبراء). كما ستواجه معضلة أساسية تتعلق في اتهام محادثات آستانة لم تركز بشكل كبير على الخلافات الجذرية وتناولت ملفات فرعية إذ لم تتطرق بصورة موسعة لموضوعات مثل شكل الدولة السورية وطبيعة نظام الحكم والعلاقة بين المكونات المجتمعية المختلفة للشعب السوري وعجز تلك المحادثات عن إجبار النظام السوري على المضي قدما في تنفيذ مسار التسوية السياسية بإشراف الأمم المتحدة
الخلاف الأميركي – الروسي دفع تركيا إلى التصعيد مستغلة تعقيدات التسوية والانقسام الدولي الواضح بشأن مسارى جنيف وآىستانة حيث أعلن الرئيس التركى عن عملية عسكرية جديدة في سوريا، وقال إن “عمليتنا شرق الفرات تبدأ خلال يومين”، لافتا إلى أن العملية لا تستهدف الجنود الأمريكيين في هذه المنطقة، وأضاف أنه سيبحث إمكانية التعاون البناء مع الولايات المتحدة فيما أعلنت الإدارة الذاتية الكردية في الشمال السوري النفير العام وطالبت التحالف الدولي بقيادة واشنطن بأن يتخذ موقفا تجاه ما أعلنت عنه تركيا حول عملية مرتقبة في الشمال السوري.
دلالات توقيت إعلان تركيا عن عملية عسكرية في شمال سوريا، يمكن إيجازها في ثلاثة نقاط ,الأولى ,تعطيل سياسات الولايات المتحدة في سوريا وألا تخرج القوات من شمال سوريا بالكامل كما خرجت من شمال العراق ,والثانية ,الاستعداد لمرحلة ما بعد داعش، خاصة مع وجود ترتيبات أمنية وسياسية تستبعد تركية من المعادلة، فى حين تتمثل الثالثة في استغلال توتر العلاقات الحالية بين أمريكا وروسيا لإحراز مكاسب لصالح موسكو علي حساب واشنطن حيث تتقاطع رؤية أنقرة مع موسكو على أن دعم واشنطن للأكرادفي شرق وشمال سوريا، سوف يؤدي إلى إنشاء كيان جديد يهدد أمن سوريا ووحدتها,وذلك وفقاً لمحللين .
ومع ذلك فإن أرواق الضغط لفرض رؤية واشنطن و تصورها حيال أي عملية سياسية مقبلة تتمثل فى الوجود الأميركي على الأرض بالتحالف مع القوات الكردية حيث أن منطقة شرق الفرات تمثل حيز جيواستراتيجي قوى فهي تضم نحو 90 في المائة من النفط السوري وما يعادل نصف مخزون الغاز فضلاً عن أن المنطقة تضم طريق العراق – سوريا البري وصولا إلى بيروت فضلاً عن حاجة دمشق وموسكو إلى تمويل دولي من أجل المضي قدماً فى خطة إعادة الإعمار لذا ستعمد الولايات المتحدة إلى استثمار ذلك فى الضغط على النظام السوري وروسيا وإيران









اضف تعليق